شبلي يكتب: دراسة تحليلية نقدية لمقال الأستاذة سارة السهيل المحترمة "فستان المرأة هاجس (الإعلام)"
الدكتور سعد شاكر شبلي
اطلعنا على مقال الأديبة السامقة والكاتبة المرموقة والناشطة في مجالات الثقافة والأدب والعلاقات الإنسانية المبدعة سارة السهيل أعزها الله ومنحها القوة والعزم للبقاء في جادة الأبداع والتميز عبر نشاطاتها الملفتة للانتباه من محبي الثقافة والعلوم والأدب والتاريخ ومجالات عالم الإنسان، وقد شد مقالها الموسوم " فستان المرأة هاجس (الإعلام)" انتباه كاتب هذه السطور كما محبي هذا المجال الإنساني، فما كان إلا وجوب عرض هذه الدراسة التحليلية عما جاء بالمقال وما جاد به على المتلقي من إبداع.
أولاً: عرض محتويات المقال
المقال هو رأي نقدي اجتماعي، تناقش فيه الكاتبة ظاهرة توظيف جسد المرأة وإبراز مفاتنها بشكل مبتذل في وسائل الإعلام المختلفة (دراما، إعلانات، برامج، سياسة، اقتصاد). تبدأ الكاتبة باستحضار الماضي الذي اتسم - حسب رأيها - بالجمال الطبيعي والرقي، ثم تنتقل إلى نقد الحاضر الذي استبدل هذا الجمال بـ"المزيف"، محوره المرأة كجسد عارٍ عن الاحتشام.
تتساءل الكاتبة عن المنطق والفلسفة وراء ربط كل شيء بسيقان النساء وجسد المرأة، حتى في مجالات لا علاقة لها كالسياسة والتعليم والمنتجات الصناعية والغذائية.
ترى أن هذا الاستغلال بدأ مع العولمة التي وظفت المرأة كسلعة إعلانية لتحقيق مكاسب اقتصادية. وتؤكد أن هذه الظاهرة تتنافى مع حقوق الإنسان، وتؤدي إلى فساد المجتمع، وانتشار التحرش والأمراض النفسية، وتدمير الأسرة.
توجه الكاتبة نداءات إلى وزراء الثقافة والإعلام، والنقاد، وجماعات حقوق المرأة، للتدخل وكسر هذه "الأيدي" التي تروج للمرأة بشكل مبتذل. كما تناشد المرأة نفسها أن تصون كرامتها وألا ترخص نفسها.
تختم المقال بدعوة المرأة لتكون ملكة وصاحبة أعمال ومشاريع، مستشهدة بنماذج نسائية تاريخية وحضارية كالملكة زنوبيا، السيدة خديجة، فيروز، فاطمة الفهرية، وغيرهن، ومؤكدة أن حرية المرأة ليست في الابتذال بل في المساواة في الحقوق والواجبات والتأثير الفكري والعملي.
ثانياً: الأبعاد الرئيسية في المقال
- البعد الاجتماعي:
- البعد الأدبي:
- البعد الجمالي:
- نقد الهيمنة الذكورية: ترى الكاتبة أن المجتمع (خاصة صناع الإعلام من الرجال) يستخدم المرأة كأداة لتحقيق أرباح وسلطة، مما يعكس خللاً في بنية السلطة الاجتماعية.
- تفكيك الأسرة والمجتمع: تربط الكاتبة بين تعري المرأة وانتشار التحرش والاغتصاب وضعف قيمة الزواج والأسرة، مما يهدد النسيج الاجتماعي برمته.
- تأثير النمذجة السلوكية: تحذر من أن تعري المرأة في الإعلام يدفع المراهقات والفتيات إلى تقليد هذا السلوك، فيصبح ابتذال الجسد هو المعيار الاجتماعي.
2. البعد الإنساني:
- كرامة الإنسان مقابل السلعة: تركز الكاتبة على أن تحويل المرأة إلى "سلعة إعلانية" هو انتهاك صريح لكرامتها الإنسانية، وتنادي بعودة الاعتبار لجوهر المرأة كإنسانة مفكرة وليست دمية استعراض.
- حقوق المرأة الحقيقية: تميز الكاتبة بين حرية المرأة كمساواة في الحقوق والواجبات، وبين الحرية المزيفة التي تتمثل في الابتذال وتقديم الجسد، داعية حقوقيات العالم إلى التركيز على قيمة المرأة وكيانها لا على قضايا هامشية.
3. البعد الأدبي:
• أسلوب الاستفهام البلاغي المتكرر: وظفت الكاتبة الأسئلة بكثافة (لماذا؟ وما دخل؟) لتأكيد الدهشة والرفض، مما يخلق حواراً داخلياً مع القارئ.
• التناص مع الموروث الثقافي: استشهدت بأعلام النساء العربيات والملكات التاريخيات، مما يعمق البعد الحضاري للمقال.
• اللغة الواصفة والمشحونة عاطفياً: كلمات مثل (مبتذلة، عارية، صارخ، رخيصة، إبليس، سجن) تعكس انفعالاً أخلاقياً غاضباً، وهو ما يخدم غرضها الإقناعي.
4. البعد الجمالي:
• مقارنة جمالية بين الماضي والحاضر: تقدم الكاتبة مفهوماً جمالياً قائماً على "الفطرة الذكية والنقية" و"العذوبة الوجدانية"، وتصور الجمال في لوحة الطفل الباكي أو الفلاحة؛ مقابل جمال "مزيف" قائم على التعرية والابتذال.
• دعوة إلى جمال آخر: تشير ضمنياً إلى جمال "الشياكة والأناقة والرقي" كما في الأفلام الأبيض والأسود، وإلى جمال المرأة الرائدة الملكة صاحبة المشروع الحضاري. الجمال عندها ليس بصرياً فحسب، بل أخلاقياً وروحياً.
ثالثاً: نقد المقال (عناصر القوة والضعف)
- عناصر القوة:
- صدق الإحساس بالقضية: المقال يُظهر شغفاً حقيقياً وألماً صادقاً تجاه استغلال المرأة، وهذا يمنحه قوة إقناعية عاطفية.
- شمولية الرؤية: لم تقتصر الكاتبة على نقد الإعلام فقط، بل وسعت الهجوم ليشمل السياسة والاقتصاد والتعليم وحتى الدعايات التجارية البسيطة (السمنة والسيارة).
- تقديم حلول وبدائل: لم تكتف بالنقد بل قدمت نماذج مشرّفة من التاريخ (ملكات، عالمات، فنانات محتشمات) ودعت المرأة لأن تكون صاحبة عمل وليست مجرد وجه دعائي.
- التحرر من النمطية الدينية الضيقة: رغم أنها أشارت إلى الجانب الديني والأخلاقي، إلا أنها طلبت الفهم أيضاً من باب المنطق والفلسفة، مما يوسع دائرة المخاطبين.
- قوة الخاتمة: اختتمت المقال بدعوة عملية وبنّاءة وإيجابية (كونوا ملكات، اتركوا الرجل يعمل الدعايات)، وهذا أبلغ من البكاء على الأطلال.
- عناصر الضعف:
- تعميم مفرط واستثناءات غير دقيقة: قولها "كلهم جميعاً بلا استثناء" فيها مبالغة. هناك إعلام هادف يقدم المرأة بعيداً عن الابتذال. التعميم يُضعف مصداقية النقد لدى القارئ الموضوعي.
- خلط الأسباب بالنتائج: العلاقة بين تعري المرأة في الإعلام وانتشار التحرش والاغتصاب ليست علاقة حتمية وخطية بهذه البساطة. يمكن النقاش حول التأثير، لكن الربط المباشر يحتاج إلى دراسات نفسية واجتماعية. المقال يفتقر إلى أدلة بحثية أو إحصائية.
- الافتقار إلى التفصيل في منهج الحل: المطالبة بـ"كسر الأيدي" و"الرقابة" عامة وغير محددة. ألا تخشى الكاتبة من رقابة تقيد الفن أو تخنق حرية التعبير؟ لم تناقش هذه الإشكالية.
- نظرة حنينية مثالية للماضي: تصوير الماضي على أنه كله "رقي وجمال وروح" فيه تغاضي عن مشاكل اجتماعية كانت موجودة (كالقهر، الأمية، الحرمان). كما أن أفلام الأبيض والأسود كانت فيها إغراءات متناسبة مع عصرها، لكنها ترى ذلك "شياكة".
- إغفال دور المرأة نفسها كمنتجة ومخرجة: المقال يركز على أن "الرجل" هو من يستغل المرأة، لكن هناك نساء منتجات ومخرجات ومعلقات تشارك في هذا النظام التجاري. تجاهل هذا البعد يجعل النقد أقل عمقاً.
الخلاصة والتقييم العام
مقال "فستان المرأة هاجس (الإعلام)" هو مقال نقدي هام، يُثير قضية حقيقية ومؤلمة في مجتمعاتنا العربية، وهي استغلال جسد المرأة كأداة تسويقية وإعلامية. قوته تكمن في صدق عاطفته، وغناه بالمراجع الحضارية، ودعوته الصريحة لاستعادة كرامة المرأة. ضعفه يكمن في تعميماته المطلقة، ونظرته الحنينية للماضي، وإغفاله التعقيدات الاقتصادية والفنية لحل هذه القضية دون الوقوع في فخ الرقابة المقيتة.
التوصية: يمكن اعتباره مقالاً تحريضياً ناجحاً لإثارة الوعي والجدل، لكنه ليس دراسة أكاديمية علمية موضوعية. قيمته الأدبية والإنسانية أعلى من قيمته الاجتماعية التحليلية. نوصي القارئ بأن يستفيد من قلق الكاتبة النبيل على المرأة، مع أخذ بالتحفظات العلمية بعين الاعتبار.
مع خالص الشكر للكاتبة على حسن اختيار موضوع المقال، مع ثقتنا بنبل غايتها.







