الشياب يكتب: روح الأردن، سرديته، ومكانته الدولية… هل نحسن توظيف قوتنا الناعمة؟
كتب محمود صالح الشياب
في عالمٍ تتسارع فيه الحروب، وتشتدّ فيه الأزمات الاقتصادية، وتُستخدم فيه المساعدات والمنح كأدوات للتأثير، يعود السؤال من جديد:
هل تكفي القوة الصلبة، بسلاحها واقتصادها، لفرض النفوذ وتحقيق المصالح؟
التاريخ يجيب بوضوح: القوة الصلبة قد تفرض سيطرة مؤقتة، أو انتصارًا سريعًا، لكنها لم ولن تضمن استدامة النفوذ.
أما القوة الناعمة، فهي الأعمق أثرًا، والأقل كلفةً، تتسلل عبر الحواجز والمسافات، تطوّع القلوب، وتخترق العقول، لتحقق بالإقناع والجاذبية ما لا يتحقق بالقوة والإكراه.
ورغم أهمية هذا المفهوم، فقد أُفرغ أحيانًا من معناه، حتى اختزله البعض في صورة جاذبة، أو حملة إعلامية عابرة، بينما تتسع موارده لتشمل عديد الأمور مثل: الدبلوماسية، والثقافة، والتعليم، والقيم، والسمعة، والقدرة على بناء الثقة.
والفارق لا يكمن في امتلاك هذه الموارد، بل في حسن توظيفها، والقدرة على تحويلها إلى مكاسب سياسية واقتصادية واجتماعية.
الأردن يمتلك رصيدًا مهمًا من هذه القوة، وحجز بفضلها مكانة مميزة في المجتمع الدولي، كأحد أكثر الدول ثقة واحترامًا.
فالدبلوماسية الأردنية المتوازنة عززت صورة المملكة كشريك موثوق في صنع السلام، ومنحها دورها الإنساني في استضافة اللاجئين احترامًا واسعًا، إلى جانب مكانتها كنموذج للاعتدال الديني، والريادة التعليمية، والإرث الثقافي والتاريخي، كما أسهم الإنسان الأردني، بنخوته، وعلمه، وحرفيته في بناء سمعة وطنية تتجاوز الحدود.
فيما تبقى القيادة الهاشمية أحد أهم مصادر القوة الناعمة للأردن، بل إن معظم أصول القوة الناعمة الأردنية استندت إلى مكانة هذه القيادة، وحضورها الدولي، وقدرتها على التأثير، وإيصال رسالة الأردن وقيمه الراسخة.
وقد حقق الأردن مكاسب مهمة بفعل هذه الأصول؛ فالدبلوماسية الأردنية بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني جنّبت المملكة كثيرًا من التحديات، كما عززت دبلوماسية صنع السلام دور الأردن ومشاركته في قوات حفظ السلام الدولية، والتي عادت بمنافع مادية ومعنوية، ورصيدًا إضافيًا من القوة الناعمة.
وتبقى صناعة الإنسان هي الأساس، وجوهر القوة الناعمة، التي تبدأ من ترسيخ الانتماء والقيم لدى الشباب، وصولًا إلى بناء الوعي، وتوطيد تماسك المجتمع.
وفي هذا السياق، يقود سمو ولي العهد الأمير الحسين مرحلة جديدة من بناء روح الأردن، وكتابة سرديته، وتوجيه طاقات شبابه، وما رعايته لبرنامج خدمة العلم، الذي عاد للحياة بصورة أقل كلفة وأكثر تأثيرًا، إلا نموذجًا عمليًا ناجحًا في مسار ممتد يقوده الأمير الشاب في رحلة لكسب العقول والقلوب.
ومع ذلك، لا يزال أمامنا الكثير، إذ تقع على عاتق المؤسسات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني، على حدّ سواء، مسؤولية تعظيم هذه الموارد، وتحويل مخزونها إلى مكاسب حقيقية على أرض الواقع، والانتقال من التعامل العفوي مع القوة الناعمة إلى إدارة استراتيجية طويلة الأمد، لا سيما في وطن محدود بموارده المادية، وغني بثروته المعنوية والإنسانية.
وكما أن للتحديث السياسي والاقتصادي رؤىً وغايات واضحة، فإن للقوة الناعمة أيضًا أهدافًا لا بد من بلوغها عبر رؤى واستراتيجيات متكاملة، تنتهي بتحويل هذا الرصيد الكامن في القلوب إلى أثر ملموس نراه واقعًا متحققًا من حولنا.
فالقيم الراسخة في الصدور لا قيمة لها إن لم تترجمها الأفعال، والقوة الناعمة لا جدوى منها إن لم تجنِ المنافع، وقوتنا لا تُقاس بما يُقال عنا، بل بما تحققه لنا.
والفرق بين أن نُحترم، وأن نؤثر في تحقيق مصالحنا، يكمن في القدرة على حسن توظيف الموارد.






