التل يكتب: 63% فائدة للفقراء في الأردن .. وأرباحها تذهب إلى الولايات المتحدة الامريكية
د.مصطفى التل
في بلد يعاني فيه أكثر من ربع السكان من الفقر أو الهشاشة الاقتصادية، تنتشر مؤسسات التمويل الأصغر التي تقدم قروضاً صغيرة بضمانات بسيطة.
تحقيقاً أجريته بشكل شخصي في وثائق رسمية وجداول منتجات معلنة يكشف عن نموذج مقلق: قروض بفائدة فعلية تتجاوز 63% سنوياً، مملوكة بالكامل لكيان أجنبي، وتُصدّر أرباحها إلى الخارج , الفقير الأردني يدفع خمسة أضعاف ما يدفعه مواطن عادي في البنك التقليدي، بينما تتدفق الأرباح إلى مساهمين في الولايات المتحدة.
وفق وثيقة رسمية صادرة عن دائرة مراقبة الشركات الأردنية، فإن المساهم الوحيد في إحدى كبرى مؤسسات التمويل الأصغر في المملكة هو شركة قابضة أجنبية جنسيتها أمريكية.
كما يضم مجلس إدارتها أربعة أعضاء بأسماء أمريكية وغربية بالكامل , بمعنى أدق لشركة ليست أردنية، بل ذراع تنفيذية لشركة أمريكية ربحية تعمل في السوق الأردني , الموافقات الرسمية مُنحت، والتراخيص سليمة، لكن التدفقات المالية النهائية تتجه إلى خارج البلاد.
تعلن المؤسسة المذكورة عن منتجاتها بأسعار فائدة اسمية تتراوح بين 27% و45% سنوياً بنظام الفائدة المتناقصة , لكن عند إضافة جميع الرسوم، تصل الفائدة الفعلية إلى أرقام صادمة تتجاوز 63% سنوياً في بعض المنتجات.
ولا تتوقف التكاليف عند الفائدة فقط، بل تشمل عمولة منح ائتمان تُخصم من أصل القرض بنسبة 1% مضافاً إليها عشرة دنانير، وطوابع واردات، وتأميناً على الحياة، وضريبة مبيعات بنسبة 3% على الفوائد والعمولات.
إضافة إلى غرامات تأخير تصاعدية تصل إلى دينارين لكل قسط متأخر، ورسوم سداد مبكر تصل إلى 5% إذا أراد العميل التحويل إلى جهة تمويل أخرى , مثال بسيط :
عميل يريد ألف دينار قد يستلم 950 ديناراً فقط، ويسدد أكثر من 1800 دينار على ثلاث سنوات.
بما أن الملكية أجنبية بالكامل، فإن كل دينار أرباح يحققه فرع الأردن يتم من خلال آليات محاسبة قانونية تحويله إلى الشركة القابضة في الخارج.
الفارق الهائل بين سعر الفائدة الذي تدفعه المؤسسة على تمويلها، خاصة القروض المدعومة حكومياً بنسبة 9% فقط، وسعر الفائدة الذي تفرضه على العملاء والبالغ 63%، يذهب كربح إلى مساهمين أجانب.
الكارثة الأكبر في أن الشريحة المستهدفة هي الأشد فقراً والأكثر حرماناً من الخدمات المصرفية , ف في تقدير أولي إذا اقترض ألف عميل خمسمائة دينار لكل منهم، فإن إجمالي الأرباح المحولة إلى الخارج قد يتجاوز نصف مليون دينار سنوياً.
مقارنة مع البنك التقليدي الأردني الذي يقدم قروضاً بفائدة اسمية تتراوح بين 8% و12% وفعلية لا تتجاوز 15%، ومعظمها دون عمولة منح أو رسوم سداد مبكر، نجد أن الفقير الأردني يدفع ما بين أربعة إلى خمسة أضعاف ما يدفعه العميل العادي.
الأغرب أن المؤسسة نفسها تقدم قرضاً مدعوماً حكومياً بفائدة إجمالية 9% فقط، يتحمل العميل منها 5% وتتحمل الحكومة 4%، دون أي عمولات أو غرامات، مع فترة سماح تصل إلى اثني عشر شهراً ,لكن القروض الأخرى لنفس المؤسسة ونفس الإدارة ونفس العملاء تصل فائدتها الفعلية إلى 63%.
السؤال الذي تطرحه الأوساط الاقتصادية: كيف تعطي الحكومة الأردنية تمويلاً مدعوماً بفائدة 9% لشركة أجنبية، ثم تعيد نفس الشركة إقراض الفقراء بنسبة 63% وتُصدّر الفارق كأرباح إلى الخارج؟! , أليس هذا تسهيلات غير مباشرة غير مباشرة من دافع الضرائب الأردني إلى مساهمين في الخارج؟!
الوثائق الرسمية تظهر أن الشركة المعنية أعلنت إعسارها في أيار من عام 2025، ثم خرجت منه في تيسان من عام 2026 بعد اعتماد خطة إعادة تنظيم.
الأسئلة تبقى مفتوحة: هل النموذج التجاري نفسه هش؟! هل خطة إعادة التنظيم خففت الأعباء عن العملاء أم عن الشركة فقط؟! وهل استمر تحويل الأرباح إلى الخارج حتى في فترة الإعسار؟! , لكن الأكيد أن العميل الفقير لم يُعْف من قسط واحد أثناء فترة إفلاس الشركة.
ما يحدث ليس فريداً في الأردن، لكنه صارخ بشكل خاص. "التمويل الأصغر" الذي يفترض أن يكون وسيلة لمكافحة الفقر تحول إلى وسيلة لاستنزاف الفقراء. والمخاطر الحقيقية أقل بكثير من الفارق السعري الهائل , والاستثمار في المجتمعات المحلية تحول إلى تصدير للأرباح إلى الخارج.
ليس خطأً أن تستثمر شركة أجنبية في الأردن، لكن الخطأ أن تنشئ نموذجاً يعتمد على استغلال الحاجة تحت غطاء "التمويل الأصغر"، وأن تدعمه الحكومة بقروض مدعومة تتحول إلى أرباح للخارج، بينما يبقى المواطن الأردني الفقير تحت وطأة ديون بفائدة 63%.
وهنا لا بد من التالي :
هل الجهات الرقابية والمشرع الأردني وضع سقف للفائدة الفعلية لمؤسسات التمويل الأصغر وليس فقط الفائدة الاسمية؟!!
هل ألزام مثل هذه المؤسسات بالكشف بوضوح عن الفائدة الفعلية ونموذج الحساب قبل توقيع العميل؟!!
هل هناك مراقبة ومراجعة لبرامج الدعم الحكومي للتأكد من وصول الفائدة المنخفضة إلى العميل النهائي وليس إلى هوامش أرباح الشركات الأجنبية؟!!
هل يوجد حظر لرسوم السداد المبكر للقروض الصغيرة لأنها أداة احتجاز للعميل ؟!!
وهل هناك أي دراسة لإنشاء صندوق تمويل أصغر حكومي بفائدة رمزية كبديل وطني لهذه النماذج.
ملاحظة : كتب بناءً على وثائق رسمية من دائرة مراقبة الشركات الأردنية وجداول منتجات معلنة. الأرقام والبيانات محفوظة لدى المحرر





