خطاطبة يكتب: قوة الدولة ولحظات الاختبار الحقيقي
محمود خطاطبة
لا بد أن يواصل الأردن سعيه الدؤوب لبلورة تصور جامع يبني طبقات إضافية من المناعة الداخلية، ويُراكم إنجازًا مُتواصلًا، لتوفير حياة حُرة كريمة لأبنائه، وصيانة استقلاله وقراره حتى في أكثر اللحظات الإقليمية اضطرابًا.
هذا هو دأب الدول الحقيقية دومًا، فالدولة التي تعيش على تماس مُباشر مع أزمات المنطقة لا تملك ترف الانتظار، ولا خيار الاكتفاء برد الفعل.. مؤخرًا بدا هذا المعنى واضحًا في اجتماع ترأسه جلالة الملك، بحضور ولي العهد، للاطلاع على جاهزية الحُكومة لتنفيذ مشروع الناقل الوطني للمياه، وهو أحد أكبر المشاريع الوطنية وأكثرها ارتباطًا بمُستقبل الأمن المائي في المملكة.
المشروع الوطني ليس تفصيلًا تنمويًا عابرًا، بل عنوانًا لطريقة إدارة حكيمة، ومنظومة تُدير النُدرة بعقل إستراتيجي، لتحويل تحديات المملكة البنيوية إلى مسارات عمل طويلة النفس، خصوصًا أنه يقوم على شراكة بين الحُكومة والقطاع الخاص والمُجتمع الدولي، ويستهدف توفير نحو 300 مليون متر مُكعب من المياه الصالحة للشرب سنويًا عبر تحلية مياه البحر الأحمر في العقبة، وضخها نحو مُعظم المحافظات.
ومع ذلك، فالأرقام على الرغم من أهميتها لا تختصر القصة، فالمسألة في جوهرها تتجاوز البنية التحتية إلى إعادة صياغة مفهوم الأمن ذاته، بحيث لا يعود الأمن مفهومًا عسكريًا أو سياسيًا فقط، بل أمن حياة يومية يبدأ من الماء وينتهي عند الاستقرار الاجتماعي.
في التفاصيل التي أحاطت بالاجتماع الملكي، يبرز إصرار لافت على التدقيق في الجاهزية الفنية للبنية التحتية، وعلى دراسة الأبعاد المالية والقانونية للمشروع قبل الانتقال إلى مراحل التنفيذ، إذ يتوجب مُتابعة كُل صغيرة وكبيرة بعين خبيرة وإرادة حديدية تعكس فلسفة إدارة دولة تعي أن المشاريع الكُبرى عنوانها القدرة على الاستمرار في بيئة إقليمية مُتقلبة.. فالأردن هُنا لا يتعامل مع ملف المياه باعتباره ملفًا خدميًا فقط، بل باعتباره جُزءًا من مُعادلة الصمود الوطني.
الماء “إكسير” الحياة في بلد محدود الموارد، ليس مادة للاستهلاك اليومي فحسب، بل عنصر في حسابات الاستقرار طويل الأمد، وركيزة في قُدرة الدولة على حماية توازنها الداخلي في وجه أي صدمات خارجية مُحتملة.. وإذا كان الإقليم من حولنا يزداد اضطرابًا، فإن قيمة هذا النوع من المشاريع تتضاعف، وهُنا تبرز أهمية التمويل الدولي كالتزام أخلاقي تجاه بلد يستضيف عبء اللجوء ويحمي استقرار المنطقة، أو لنكن أكثر إنصافًا يُساهم في استقرارها.
أقول دومًا، يحق لنا أن نفخر في دولة تتقدم في بناء بنيتها التحتية الإستراتيجية في أوقات التوتر، فهي ذاتها التي تدخل الأزمات وهي أقل هشاشة وأكثر قدرة على المناورة، لذلك يُمكن قراءة هذا المشروع باعتباره استثمارًا في المُستقبل بقدر ما هو استجابة لحاضر ضاغط.
والأهم من ذلك، أن هذا التوجه لا يأتي في سياق معزول، بل ضمن مُقاربة أوسع تتعامل مع الملفات الحيوية مثل: المياه، الطاقة، الأمن الغذائي، كمنظومة واحدة مُترابطة، وهي مُقاربة توجب على الدولة أن تُظهر بأنها لا تفكر في الحلول الجزئية، بل في بناء شبكة أمان وطنية مُتكاملة.
وفي لحظة إقليمية مفتوحة على احتمالات مُتعددة، يُصبح هذا النوع من المشاريع أكثر من مجرد إنجاز هندسي، فالدولة الحقيقية ذات المقومات الصحيحة السليمة مُطالبة بضرورة أن تُراكم أدوات بقائها بهدوء، بعيدًا عن الضجيج وبقرب شديد من منطق الواقع لا الشعارات ولا الشعبويات.
هكذا ينبغي أن يكون المشهد الأردني؛ والذي يتمثل بأن تُحسن الدولة إدارة الزمن الصعب أو الأوقات الصعبة، بحيث لا تُبالغ في رفع صوتها كثيرًا لكنها تواصل الحركة، ولا تدعي امتلاك حلول نهائية بينما تستمر في بناء ما يُقلل تعرضها للمفاجآت.. وفي هذا بالذات تكمن قوة الدولة التي تظهر جليًا في لحظات الاختبار الحقيقي.







