الكشكي يكتب: لدغة التاريخ الضاحكة

{title}
أخبار الأردن -

 

جمال الكشكي


في السياسة، لا يسير التاريخ في خط مستقيم، لكنه يلتف في مسارات مراوغة، يحسن التوقيت، ويختبر ذاكرة النسيان.  
ما يجري اليوم فصل جديد من مسرحية قديمة، تتحول فيها الجروح إلى نكات، وتتحول الذاكرة إلى أداة ناعمة تجمع بين الإضحاك والإحراج.  
 

في زيارة وصفت بالتاريخية، جرت بين 27 و30 أبريل 2026، يقف الملك البريطاني تشارلز الثالث داخل قاعة الكونجرس الأميركي، بصفته وريثًا لتاريخ طويل من المفارقات.  
بين تصفيق محسوب - 12 مرة - وابتسامات دبلوماسية، أطلق الملك عبارات خفيفة الظل، لكنها حملت في طياتها رسائل عميقة، جعلت دوائر التأويل تتحرك خارج القاعة بقدر ما تحركت داخلها، وظهرت الحركة في الإيماءات والإشارات الصامتة.  
جاءت الزيارة في سياق احتفال الولايات المتحدة بمرور 250 عامًا على استقلالها في الرابع من يوليو 1776، وهو حدث يستدعي مراجعة البدايات واستحضار لحظة التأسيس.  
اختار تشارلز أن يمر على المناسبة بلمسة ساخرة، حين أشار إلى أن هذه القرون القليلة تبدو في حساب التاريخ البريطاني "وكأنها بالأمس القريب". عبارة تعيد ترتيب الإحساس بالزمن وتضع الحاضر في مرآة الماضي.  
وحين اقترب من اللغة، استدعى روح السخرية البريطانية التي اشتهرت بقدرتها على قول الكثير بأقل الكلمات، وفي هذا السياق تردد صدى مقولة الكاتب البريطاني الساخر جورج برنارد شو عن أن بريطانيا وأميركا أمتان يفصل بينهما بحر، وتتفقان في كل شيء، إلا اللغة الإنجليزية.  
استحضار هذه الفكرة يفتح بابًا على مفارقة ثقافية ممتدة، حيث تتشابه القيم السياسية والإستراتيجية العميقة بين الجدة والحفيدة، بينما يستمر الاختلاف في التفاصيل اليومية، كوقود صالح لوسائل الإعلام، بينما الحقيقة كما وردت في خطاب تشارلز، حقيقة التحالف المقدس.  
ولم تخل الإشارات من لعبة الأسماء والتاريخ. حين جمع الملك بين جورج واشنطن وجورج الثالث، بدا المشهد وكأنه حوار بين "جورجين" يفصل بينهما صراع على الشرعية والسلطة، الأول يقود دولة ناشئة نحو الاستقلال، والثاني يمثل إمبراطورية تحاول ضبط التراجع، فالاسم واحد والمصير مختلف.  
حين أشار تشارلز إلى أن الأميركيين كانوا سيتحدثون الفرنسية لولا بريطانيا، استدعى حرب السيطرة بين بريطانيا وفرنسا في أميركا الشمالية، وهي الحرب التي دارت بين عامي 1754 و1763 ضمن الصراع المعروف في التاريخ الأوروبي باسم حرب السبع سنوات، والتي حسمت النفوذ البريطاني في القارة. وهنا تختصر الإشارة في رسالة واضحة: وهي أن الفصل الأول من الحكاية كتب هناك، والذاكرة لا تغادر المشهد.  
غير أن السرد التاريخي لا يستقر عند رواية واحدة، فبريطانيا التي خرجت منتصرة من تلك الحرب وجدت نفسها لاحقًا في مواجهة مستعمراتها الأميركية، حين أشعلت الضرائب التي فرضتها شرارة الصراع الذي انتهى إلى الثورة الأميركية، وتتجلى المفارقة هنا: أن اليد التي ترسم البداية قد تكتب أيضًا النهاية.  
أما أغرب المفارقات واللمحات الذكية فهي إشارته إلى تجديد البيت الأبيض وبناء قاعة جديدة، فقد استعاد الملك ذكرى حريق بريطانيا للبيت الأبيض 1814، محولًا واقعة دامية إلى تعليق ساخر، بأنهم سبقوا هذا التطوير المعماري الجديد بتطوير عقاري على الطريقة البريطانية.  
على الجانب الآخر، يظهر دونالد ترامب الذي سبق أن ربط مصير أوروبا بتدخل بلاده في الحرب العالمية الثانية، حين قال لولا أميركا لكانت أوروبا ستتكلم الألمانية أو بعض اليابانية، فجاءت عبارة تشارلز امتدادًا لحوار غير مباشر تستخدم فيه النكتة أداة لتثبيت الرواية الحقيقية، حين قال: لولا بريطانيا لكانت أميركا ستتكلم الفرنسية.   الحضور الفرنسي لم يتأخر، فقد جاء تعليق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حاملًا قدرًا محسوبًا من السخرية، إذ أبدى ترحيبًا ضمنيًا بفكرة انتشار الفرنسية في أميركا، وكأن اللغة تتحول إلى مساحة نفوذ موازية تتجاوز الجغرافيا، وتستبقي أثرها حتى بعد انحسار القوة العسكرية.  
وتتسع الدائرة حين ينظر تشارلز الثالث إلى نفسه بصفته رمزًا لكيان أوسع هو الكومنولث، الذي يضم نحو 56 دولة، ورغم أن هذا الإطار يقدم صورة معاصرة لعلاقات نشأت في سياق إمبراطوري، ثم أعيد تنظيمها ضمن صيغة طوعية، فإنه يحمل قدرًا من الرمزية السياسية والتاريخية، ويمكن أن يستخدم في مواجهة الغرور الأميركي، إن استدعت الضرورة.  
بين هذه الإشارات المتقاطعة، تتضح طبيعة العلاقة بين القوى الكبرى: تحالفات قائمة، تنافس مستمر، وذاكرة حاضرة في كل تفصيل. المشهد العام يعكس إدارة دقيقة للخطاب، حيث تتقدم العبارات الخفيفة لتؤدي أدوارًا تتجاوز ظاهرها.  
الغريب أن بريطانيا حاولت أن تضبط الإيقاع الإعلامي أثناء الزيارة، تجنبًا لمواقف محرجة، وقد شهدها العالم في لقاءات سابقة مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، وهو حرص بريطاني يؤكد أن الدبلوماسية الحديثة تتحرك في فضاء مزدوج يجمع بين الغرف المغلقة والمنصات المفتوحة التي باتت خطيرة في العلاقات الدولية.   لم تكن زيارة الملك جولة دبلوماسية معتادة، لكنها كانت ممارسة واعية لاستخدام التاريخ في الخطاب السياسي، فالنكتة هنا أداة، والذاكرة مادة، والرسالة تصل دون تصريح مباشر.  
هكذا يستمر التاريخ في أداء دوره، يحتفظ بسجلاته، ويعيد تقديمها في اللحظة المناسبة، ومن يملك المخازن يملك ناصية السخرية، إن استدعت الحاجة.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية