العايدي يكتب: الهوية واللغة (3): العربية.. انتماء أم انتساب؟
د.محمد صبحي العايدي
اللغة هي الفضاء الذي تتخلق فيه الذات، وتتشكل فيه الهوية، وتنشأ داخله معاني الوجود الإنساني، وليس أداة للتواصل فحسب، إنها البنية العميقة للوعي، والمرآة التي يرى الإنسان بها نفسه، وتاريخه وحضارته، والعالم من حوله، ومن هنا، فاللغة ليست عرقا يورث، بل لسانا يكتسب، وانتماء يبنى، والخلط بين اللغة والعرق، هو من أكثر الأخطاء التي تقزم دور اللغة، لأنه يحولها من وعاء للمعاني إلى أداة للتقسيم والإقصاء، ويغلقها داخل حدود بيولوجية ضيقة، بينما هي جسر إنساني ومعرفي وثقافي مفتوح.
لم يكن العرب يوماً سلالة مغلقة، بل كانوا -في جوهرهم- جماعة توحدها العربية، فاللغة هنا ليست تابعة للعرق، بل العرق هو الذي أعاد تعريف نفسه في ظلها، ومن ثم يمكن القول بأن اللغة كانت أسبق في تشكيل الهوية من العرق، ويكفي للدليل على ذلك أن نتأمل في ظاهرة التعريب داخل النص القرآني، حيث استوعبت العربية ألفاظا صارت عربية بالاستعمال، وإن كانت ليست عربية في أصل الاستعمال، ثم صارت جزءاً من نسيجها الدلالي، هذا التمدد يكشف أن العربية ليست نظاما مغلقاً، بل كياناً حياً يتشكل بالاستعمال، وأن العرب هم ثمرة ارتباطهم باللغة.
ولو كانت اللغة العربية عرقاً، لخرج من دائرتها أعلام كبار، وفي مقدمتهم سيبويه، الذي لم يكن عربي النسب، لكنه كان عربي اللسان والعقل والمنهج، هنا تتجلى حقيقة أن الانتماء الحقيقي للغة ليس بيولوجياً، بل إدراكي لساني، يتمركز على التملك العميق للغة، لا مجرد الانتساب الشكلي إليها.
وعليه فإن العربي-بالمعنى الحضاري- هو من يفكر بالعربية ويتذوقها، ويسكن داخل بنيتها المفاهمية، ويتفاعل مع فضائها الثقافي ( الأدب، التاريخ، القيم)، ويرى نفسه جزءاً من مشروعها الحضاري، ينتمي إليه، ويتبنى همومه وقضاياه، أما من انتسب إلى العرق، ولكنه لا يعبر بها، ولا يتذوق معانيها، ولا تحدث في نفسه أثراً عند سماعها، ولا يعرف شيئاً عن أدبها وقيمها وتاريخها، ولا ينتمي إلى فضائها الحضاري العربي، ولا يتبنى هموم وقضايا أمته، فهو عربي النسبة لا الهوية.
هنا يتداخل البعد الوطني، لتصبح اللغة هي العمود الفقري للهوية الوطنية، فهي التي توحد الذاكرة الجمعية، وتنقل التاريخ، وتصوغ القيم المشتركة، وتخلق شعور الانتماء، حيث تختلط المشاعر بالكلمات، فالمواطن لا ينتمي إلى وطنه فقط لأنه ولد فيه، بل لأنه يفهمه ويعبر عنه بلغته، ويتقاسم مع غيره نفس الرموز والمفاهيم والدلالات، وإلا تحولت اللغة إلى رموز بلا روابط مشتركة، ولهذا فإن إضعاف اللغة ليست مسألة تعليمية فحسب، بل مسألة سيادة وهوية، فالأمة التي تفقد لغتها تفقد قدرتها على إنتاج المعاني التي تناسب ثقافتها وتنهض بحضارتها، وتصبح مستهلكة لمفاهيم الآخرين خاضعة لرؤيتهم وثقافتهم.
وهنا تظهر أيضاً علاقة اللغة بالدين، من حيث كونها وعاء تتسع لمفاهيمه، وجزء من بنائه المعرفي، فالنص الديني بناء قوي دقيق تتشكل معانيه من دلالات الألفاظ وسياقاتها، فهي جزء من فهم الوحي لا مجرد وسيلة لنقله، ومع ذلك فإن هذا لا يعني حصر الدين في عرق، فكل من دخل هذا اللسان وأدرك نظامه، يمكنه أن يتفاعل مع هذا المعنى دون أن يسأل عن عرقه.
إن العلاقة بين الهوية واللغة علاقة وجودية لا شكلية، فاللغة توحد الوعي، والوعي يصنع الانتماء، والانتماء يبني الوطن، وإذا ضاعت اللغة، لا تضيع الكلمات فقط، بل تضيع الوسيلة التي تصنع المعاني والقيم، وتضعف الروابط بين أبناء المجتمع، وتصبح الهوية الوطنية عرضة للتفكك، وعندها لا نعود نفقد وسيلة التواصل، بل نفقد القدرة على إنتاج أنفسنا، وحاضرنا، ومستقبلنا.
إن الدفاع عن اللغة ليس من باب الحنين إلى الماضي، ولا الدفاع عن التراث فحسب، بل هو دفاع عن صناعة المستقبل والحضارة، ولكن هذا لا يعني أن المطلوب هو الانغلاق عن اللغات الأخرى، بل الحفاظ على مركزية اللغة العربية بوصفها وعاء للهوية، مع الانفتاح الواعي على لغات العالم، فاللغة في النهاية ليست مجرد وسيلة، بل وطنا يسكننا ونسكنه.







