الشاشاني يكتب: مشروع الحرية و المهمّة الانسانية في هرمز
د . راشد الشاشاني
ليست غريبة تلك النسائم الروحانية التي تفوح من تصريحات ترامب حول انسانية الهدف ، الذي اتخذ من نصرة المظلوم خطا للسير في عملية فتح مضيق هرمز ، لم تكن وحيدة هذه النسائم ؛ سبقتها كثيرات ، كان آخرها تصريحات ترامب فور انتهاء ما عرف ب " محاولة الاغتيال " .
في عقيدتنا يلجأ التاجر الى ارتداء ثوب المحبة ، والارتباط بما وراء المحسوس حين يريد تسويق بضاعته ، ليست ايّة بضاعة ، إنها الفاسدة أو الكاسدة . لم تُمكّن فُرص التربّص ترامب من القضاء الفوري على النظام الايراني ؛ حتى امتدت هذه الفرص الى حد زمني أثار من تحته بركانا سياسيا ،فوق زلزال الاقتصاد ؛ الذي سيطر على تفاصيل المشهد الامريكي و العالمي معا . اضطر ترامب في نهاية مدّة المجادلة حول احقيّته بالاستمرار في العملية العسكرية ؛ إلى ان يحاول اجراء مناورة يمكنه معها متابعة لعبة " التخندق في الخفاء " و التربّص هذه ؛ معلنا انتهاء عمليته امام الكونغرس ؛ ليتخلّص بذلك من نقرات ساعة التأقيت التي يضربه بها خصومه .
هذا الاجراء - وفقا لخطّته التي اعدّتها اللحظات الاخيرة التالية لاخفاقات متعددة ـ يمكّنه قدرة التسلل من وضعية المهاجم المُلام الى وضعية المدافع المحمود ، حين تبقى امدادات الآلة العسكرية في حالة استمرار متزامن مع وقف عداد الضغط السياسي الداخلي بفعل العوامل سابقة الذكر ، مضاف اليها جبهته الجديدة التي فجّرها خصمه الديمقراطي في منطقتنا التي لم تكن في حسبانه سواء في الشكل او الترتيب ، سنترك تفصيلها الى غير موضع .
عملية الدخول في مهمة الدفاع : اقتضت ان يكون هناك بدء هجوم ايراني ، هذا الهجوم الذي حرصت ايران على حرمان ترامب منه ؛ كي لا تمنحه ذريعة الاستمرار ، بل وعطّلت جميع محاولاته التضييق عليها في قضية الحصار ؛ حين راحت ترواغه باطروحات التفاوض المرفوضة عند الايرانيين ذاتهم قبل الامريكيين ، غير أنّها كانت تُشاغل خصمها ، وتستنزف قدرة تحمّله الحصار ، الذي بات يجعل اوروبا اقرب الى ايران منها الى امريكا ،وولو في حدود حسابات معينة .
هذه العوامل وغيرها : دفعت الى تمرير الزيت عند تخوم النار ؛ في خطوة تدفع اوروبا - من وجهة نظر ترامب - الى تغيير موقفها ، الذي حاول فيه ترامب الضغط من عدة جهات ، كان اخرها اعلان سحب جنود من المانيا ، بطبيعة الحال جزء من القوة لا كلها ، وسبق ذلك التهديد بالانسحاب من الناتو ، وهو غير جاد - بالطبع - لان هناك حسابات تضمن لاوروبا بقاء تهديد ترامب داخل اطارها ، علاوة على الاهانات التي وجهها المستشار الالماني حول اذلال ايران للولايات المتحدة ، لا يتوقف اتجاه الضغط هذا على أوروبا ، بل يتعداه الى حسابات الصين وروسيا ؛ برفع هامش الربح في صفقة مع ترامب تسحب تاييد ايران من قبلهما ، في ذات الوقت الذي يعتقد فيه ترامب ؛ ان صفقات متعددة الاتجاهات كهذه ، لن تضمن له نتيجة جيدة ؛ باعتبار تباين قدرة التاثير التي تخلّفها انقلابات حلفاء ايران على ايران بينها وبين أنظمة اخرى ، كنظام الاسد مثلا ، وهي ذات الفكرة التي تدور في راس هؤلاء الحلفاء .
سنختم بالاشارة الى اخفاق اخر : يبدو أن ترامب لم ينجح في تجاوزه ، وهو مرتبط بالجانب الاوروبي ايضا ، من حيث عرض صورة قاتمة لمحاولتها تركه وحيدا ، هذا الاخفاق الاخير تمثل في : نتائج المكالمة الاخيرة بين بوتين وترامب ؛ التي تبيّن منها ان رائحة مفاوضات حول صفقة ما بينهما ، اخذت بالظهور الى العلن ، لكن خلافا على بعض التفاصيل لازال يعطّل تغيير مسارات الأحداث بصورة كبيرة ، فيما يتعلق بفزّاعة اوروبا في هذا الاتصال : يمكن الاشارة الى تاكيد ترامب على أن اوكرانيا هُزمت عسكريا من قبل الجيش الروسي ؛ في صورة تضع تضحيات الاوروبيين من اجل صمودها كحليف في مدارج الرياح .
أمّا من جهة ايران : فقد بدا أنّ الصفقة وإن بدأت بسير جيّد ، الا أنّها لازالت تقف عند حدود ، سيّما مع حرص الجانب الروسي ، الذي قدم قليلا من الدعم لإيران ، ربّما في مجال الاتصال ، الاستخبارات ، تطوير المسيرات ، الدفاعات الجوية المحمولة على الكتف ؛ ليحصل على عائد أكبر ، سواء من النظام الايراني إن بقي ، أو من الولايات المتحدة في حال تمام الصفقة ، لقد ألْمح ترامب إلى أن الصراعين في اوكرانيا وايران سينتهيان تقريبا في نفس الفترة ، قد لا يكون جادّا ، وكل ما في الامر أنّه اراد اطلاق تحذير لإيران واوروبا معا مفاده : أن الأمر بات في يده ، نحن لا نتفق مع فكرة التكتيك والغموض في تصريحات ترامب ، باعتبارها فن من فنونه ، انها تعبير واضح عن حالة التيه التي ولّدها تسرّعه الممزوج باضطراب استخباراته ، وضعف فريقه ، ليس إلا .
انطلاقا من هذه الاعتبارات وغيرها ؛ لم تَغب مهمّة الانسانية هذه عن اهدافها الاستخباراتية ، التي ارادت من خلالها فهم أكثر لعناصر اخفاقاتها السابقة . وفقا لاشارتنا السابقة الى عدم دقة المعلومات الاستخباراتية ، لا بل تخبّطها فوق ذلك ، يبدو ان الهدف الاستخباراتي الأوّل من هذه العملية والذي يجب ان يخدم عملية فاصلة ، تسبقها جهود تربّص جديّة ، مستفيدة من اخطاء السابق ؛ يكمن في الحصول على معلومات من الداخل ، أي مكان حجز السفن ، من خلال طواقمها ، بالاضافة إلى زرع اجهزة بشرية وتقنية خادمة لمهمة كهذه ، لم تتمكن اقمار الولايات المتحدة الصناعية ، ولا عناصر استخباراتها من الحصول عليها .







