أبو عويضة يكتب: خدمة العلم في الأردن: من استجابة ظرفية إلى مسار سيادي طويل الأمد

{title}
أخبار الأردن -

 

د. حازم خالد أبو عويضة - باحث في الإعلام الجماهيري

في ظل بيئة إقليمية تتسم بالتعقيد وتزايد مستويات عدم اليقين، تعود خدمة العلم في الأردن إلى موقع متقدم في النقاش العام، ليس باعتبارها إجراءً إداريًا معزولًا، بل بوصفها جزءًا من إعادة هندسة العلاقة بين الدولة والشباب ضمن مقاربة أكثر شمولًا ترتبط بمفاهيم الجاهزية الوطنية والتماسك الاجتماعي.

المشهد الأبرز في هذا السياق تمثل في تخريج الدفعة الأولى لعام 2026، والذي جرى برعاية سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني. وتكتسب هذه الرعاية دلالتها من كونها تعكس انتقال الملف من دائرة التنفيذ الإداري إلى مستوى الاهتمام الاستراتيجي، بما يشير إلى إدماج خدمة العلم ضمن رؤية أوسع تتصل بتطوير الإنسان الأردني وتأهيله لمتطلبات المرحلة.

ولا يمكن قراءة هذا التطور بمعزل عن التحولات الأعمق في فلسفة السياسات العامة، حيث لم يعد الأمن يُفهم بوصفه بُعدًا عسكريًا صرفًا، بل إطارًا مركبًا يتداخل فيه الاجتماعي والاقتصادي والتعليمي. ضمن هذا السياق، تأتي خدمة العلم كأداة لإعادة ضبط العلاقة بين الدولة والجيل الشاب على أسس تجمع بين الانضباط، والمهارة، والانتماء الفاعل.

الصيغة الحالية للبرنامج تعكس هذا التحول بوضوح، إذ لم تعد مقتصرة على التدريب العسكري الأساسي، بل باتت تتضمن مسارات معرفية ومهارية تتصل بسوق العمل، إلى جانب مكونات ترتبط بالمواطنة والهوية والانضباط المؤسسي. هذا التداخل بين الأبعاد العسكرية والتنموية يعكس إدراكًا رسميًا بأن التحدي لم يعد مرتبطًا بالجاهزية الأمنية فقط، بل بقدرة الشباب على الاندماج الفاعل في الدورة الاقتصادية والاجتماعية.

وفي الوقت ذاته، يعتمد التطبيق على نهج تدريجي قائم على الدفعات، بما يسمح بتقييم التجربة وتطويرها بصورة تراكمية، ويحد من أي أثر مباشر على سوق العمل أو المسارات التعليمية. هذا التدرج يعكس مقاربة واقعية في إدارة السياسات العامة، تقوم على المواءمة بين الأهداف الاستراتيجية والاعتبارات التنفيذية.

كما أن الحضور المؤسسي لسمو ولي العهد في هذا الملف يعزز من دلالته السياسية والاجتماعية، إذ يضعه في إطار رؤية تتجاوز البعد التنفيذي إلى كونه مشروعًا وطنيًا طويل المدى يستهدف بناء جيل أكثر جاهزية وقدرة على التفاعل مع متغيرات المرحلة، ضمن تصور يربط بين تنمية الإنسان وتعزيز مناعة الدولة.

ومع ذلك، فإن تقييم هذا المسار يبقى مرتبطًا بقدرته على تحقيق مخرجات ملموسة، سواء على مستوى تعزيز المهارات العملية، أو رفع كفاءة الاندماج في سوق العمل، أو دعم مفهوم الالتزام المؤسسي لدى الشباب. فنجاح البرنامج لا يُقاس فقط بمستوى الالتزام به، بل بمدى تحوله إلى قيمة مضافة في البنية الاجتماعية والاقتصادية.

في ضوء ذلك، يمكن القول إن خدمة العلم في الأردن تتجه نحو الترسخ كمسار سيادي طويل الأمد، يُعاد تشكيله بصورة تدريجية بما ينسجم مع أولويات الدولة وتحديات البيئة المحيطة، ضمن مقاربة توازن بين متطلبات الجاهزية الوطنية وضرورات التنمية المستدامة، دون الدخول في قطيعة مع الواقع الاقتصادي والاجتماعي القائم.
 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية