شبلي يكتب: الخليج بين مطرقة الضغط الأقصى وسندان الردع الإيراني: استشراف ملامح المستقبل في ظل أزمة هرمز وتفكك التحالفات التقليدية"

{title}
أخبار الأردن -

 

الدكتور سعد شاكر شبلي

في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، تبرز منطقة الخليج العربي كأحد أخطر بؤر التوتر في العالم. فمع استمرار الجمود في المفاوضات النووية، وتصاعد وتيرة التهديدات الأمريكية-الإسرائيلية من جهة، وتمسك إيران بسياسة الردع غير المتماثل والتهديد بإغلاق مضيق هرمز من جهة أخرى، بات المشهد الأمني الإقليمي أقرب إلى "حرب باردة" مفتوحة على كل الاحتمالات. هذا الواقع المُعقّد تضاف إليه متغيرات جديدة، أبرزها انسحاب دولة الإمارات العربية المتحدة من منظمة "أوبك" كإعلان ضمني عن تبني سياسات نفطية مستقلة، والمواقف المراوغة لكل من روسيا والصين، وتداعيات ذلك كله على دول الجوار العربي من العراق إلى لبنان. بناءً على هذه المعطيات، يحاول هذا المقال استجلاء ملامح السلوك المحتمل للفاعلين الدوليين والإقليميين، ويبحث في مآلات الأزمة، انطلاقًا من تساؤلات جوهرية تتعلق بالمستقبل الأمني والاقتصادي لمنطقة لا تزال ترزح تحت حالة "اللاحرب واللاسلم".

ملامح السلوك الأمريكي المُحتمل في ظل التعنت الإيراني

تُظهر التطورات الأخيرة أن إدارة الرئيس ترامب تتعامل مع الملف الإيراني وفق استراتيجية "العقوبات القصوى" المُقرونة بتهديد عسكري مُباشر. ففي أبريل 2026، شُدّدت العقوبات على قطاع النفط الإيراني مستهدفةً عشرين فردًا وكيانًا مرتبطين بشبكة تهريب النفط، بالتزامن مع تهديدات بشنّ ضربات على قطاع الطاقة والبنية التحتية المدنية في حال فشل المفاوضات. هذا النهج يُمثل تكثيفاً لسياسة "الضغط الأقصى"، التي ترى أن التنازل عن المطالب حصراً هو السبيل الوحيد لرفع الحصار عن إيران. ومع تصاعد الغموض حول المفاوضات ورفض طهران التفاوض "تحت وطأة التهديد"، فمن المُرجّح أن تتصاعد وتيرة الضغوط الاقتصادية والعسكرية، مع بقاء الخيار الدبلوماسي على الطاولة عبر وسطاء مثل باكستان وعُمان، وذلك لتجنّب الدخول في مواجهة إقليمية واسعة النطاق قد تخرج عن السيطرة.

الموقف الروسي من حالة التشنج في العلاقات الأمريكية-الإيرانية

تمتلك روسيا مصالح استراتيجية متشابكة مع إيران، لكن موقفها من التصعيد الحالي يحمل دقّة متناقضة. ففي يناير 2025، وقّعت موسكو وطهران معاهدة شراكة استراتيجية شاملة تغطي 30 قطاعاً، من بينها الأمن والاستخبارات. إلا أن هذه المعاهدة لا تتضمن أي بند دفاع مشترك في حال تعرض أحد البلدين لهجوم. وهنا يتجلّى الموقف الروسي المتوازن، حيث أعلن الكرملين استعداده للوساطة بين واشنطن وطهران لاحتواء التصعيد.هذا الموقف يُظهر أن موسكو تُفضّل الحفاظ على علاقاتها مع كلا الطرفين، مستخدمةً أزمة إيران كورقة ضغط في مواجهة الغرب، دون أن تُقدِم على تضحيات تُلحق الضرر بمصالحها الاستراتيجية، وهو ما يُفسّر عدم لجوئها إلى استخدام الفيتو ضد القرارات الدولية التي تُدان فيها إيران.

غلق مضيق هرمز: عالم غير صامت ولكنّه مُقيّد

يُعد مضيق هرمز أحد أهم "نقاط الاختناق" البحرية في العالم، حيث يمرّ عبره نحو 20 مليون برميل من النفط يوميًا (أي حوالي خمس الإنتاج العالمي).. لذا فإن فكرة صمت العالم على إغلاقه هي فكرة غير دقيقة. في الواقع، أبدى المجتمع الدولي، بقيادة الأمم المتحدة، قلقاً بالغاً. فقد حذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من أن استمرار تعطّل الملاحة سيُخنق الاقتصاد العالمي، ويرفع التضخم إلى 4.4%، وقد يصل إلى 6% مع نهاية عام 2026 إذا استمر الإغلاق، ليهدّد بدخول العالم في حالة كساد عالمي.كما دعا إيران إلى وقف الهجمات على جيرانها وطالب "حزب الله" وإسرائيل بوقف العمليات.

طبيعة الموقف الصيني من استمرار غلق المضيق

ويأتي الموقف الصيني الذي يعد هو الأكثر تعقيداً، حيث يُوصف غالباً بأنه "صمت معايَر" ، يعكس استراتيجية "الغموض المحسوب". فعلى المستوى الرسمي، قالت بكين إن "فرض السيطرة على حركة الملاحة عند مضيق هرمز يتعارض مع مصالح المجتمع الدولي"، كما استخدمت الصين حق النقض (الفيتو) ضد مشروع قرار لمجلس الأمن بشأن المضيق، لمنع تصعيد الصراع .هذا التصويت، إلى جانب التحركات العسكرية (نشر أسطول صيني)، يُظهر أن الصين تتبنى نهجاً يحمي مصالحها التجارية ويحافظ على علاقاتها مع إيران وأمريكا وإسرائيل في آن واحد. وهي بذلك لا تريد أن تظهر كداعم لأي طرف، بل كطرف يسعى للحفاظ على الاستقرار العام بما يضمن استمرار تدفق الطاقة.

حجم الأضرار المُحقّقة على الصين من عدم وصول النفط الإيراني والخليجي

تُعاني الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم، من تداعيات مباشرة على اقتصادها. ففي شهر مارس 2026 وحده، تراجعت وارداتها من النفط الخام بنسبة 2.8% والغاز الطبيعي بنسبة 11% بسبب اضطرابات الخليج وإغلاق مضيق هرمز. الأكثر إيلاماً هو تراجع واردات الغاز الطبيعي المسال بنسبة 22%، مما يُلحق الضرر بسلاسل التوريد والصناعة. وبما أن الصين تشتري أكثر من 80% من النفط الإيراني المُصدّر، والذي يُشكّل ما نسبته 13.4% من وارداتها البحرية، فإن أي تعطيل طويل الأمد للإمدادات سيُؤدي إلى ارتفاع كبير في تكاليف الطاقة وزيادة الضغوط التضخمية.

وهنا يبرز تساؤل مهم مفاده: هل لدى إيران من الأسلحة ما يسمح لها بالاستمرار في معاداة الولايات المتحدة الأمريكية؟

وللإجابة على هذا التساؤل لا بد من القول: رغم الضربات العسكرية الكثيفة التي تعرضت لها إيران، تُشير التقييمات الاستخباراتية الأمريكية إلى أن قدراتها العسكرية لا تزال أكبر مما يُعلَن.و تشير التقديرات إلى أن ما يلي لا يزال سليماً:

القدرة العسكرية

النسبة المُتبقية

أهمية الترتيب العالمي

مخزون الصواريخ الباليستية

حوالي 50%

المرتبة 16 عالميًا (مؤشر 2025)

قوة الحرس الثوري البحرية

حوالي 60%

سلاح رئيسي في عقيدة الردع غير المتماثل

سلاح الجو الإيراني

حوالي ثلثي القوة

يضم 960 ألف جندي (بينهم احتياط)

وتُظهر هذه المعطيات أن إيران لا تزال تمتلك القدرة على إلحاق أضرار كبيرة بالاقتصاد العالمي من خلال إغلاق مضيق هرمز واستهداف السفن التجارية.

مآلات الوضع الأمني في منطقة الخليج العربي مع بقاء حالة "اللاحرب واللاسلم"

تُوصف حالة المنطقة اليوم بأنها نزيف مُستمر في ظل هدنة هشّة.فهي ليست حرباً شاملة تُحسَم، ولا هي سلام يمكن البناء عليه. في هذه الحالة، تتكبد جميع الأطراف خسائر فادحة:

إيران تنزف اقتصادياً وعسكرياً.
دول الخليج العربي تدفع فاتورة صراع لم تُقرّره.
الاقتصاد العالمي يُواجه ارتفاعاً في الأسعار وتضخماً.

هذه الحالة من الغموض الاستراتيجي تُشكّل تهديداً وجودياً لخطط التنمية الطموحة لدول الخليج العربي (مثل رؤية السعودية 2030) وتُعرّض أمنها للخطر. وطالما استمرت حالة "اللاحرب واللاسلم"، فسيظل الاستقرار الأمني في الخليج مُعتمداً على هدنة قد تنفجر في أي لحظة.

الآثار المترتبة على انسحاب دولة الإمارات العربية المتحدة من منظمة أوبك

في الثامن والعشرين من أبريل 2026، أعلنت الإمارات انسحابها من أوبك وتحالف "أوبك+"، وهو قرار يُعد "ضربة قوية" للمنظمة. كونه قد يترك العديد من الآثار المُحتملة لهذا الانسحاب والتي تشمل:

إضعاف سيطرة أوبك: تُقلّص حصة أوبك+ من الإنتاج العالمي إلى حوالي 44%، ويُقوّض نفوذ السعودية كقائد فعلي للمنظمة.
مرونة إنتاجية للإمارات: تُمكّن أبوظبي من زيادة إنتاجها إلى خمسة ملايين برميل يومياً بحلول 2027 دون الالتزام بحصص الإنتاج المفروضة.
انتصار أمريكي: يُعد هذا الانسحاب انتصاراً للرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي طالما انتقد المنظمة، لكنه قد يُفاقم الخلافات بين دول الخليج، وخاصة مع السعودية.

احتمالية انسحاب دولة الإمارات العربية المتحدة من جامعة الدول العربية

الرأي المُرجّح في هذا الشأن هو أن هذا السيناريو ليس وارداً على الأرجح في الوقت الحالي. ففي أعقاب الانسحاب من أوبك، انتشرت تكهنات قوية حول انسحاب محتمل من جامعة الدول العربية. لكن المصادر الرسمية الإماراتية سارعت إلى النفي، حيث أكد مصدر مسؤول أن الإمارات "لا تدرس" الانسحاب من أي منظمات متعددة الأطراف أخرى في الوقت الحالي. ومع ذلك، أشار المصدر إلى أن أبوظبي "تعيد النظر في أهمية وجدوى دورها ومساهمتها على نطاق واسع"، مما يُشير إلى أن العضوية في هذه المنظمات أصبحت خاضعة لمراجعة مستمرة، وقد لا تطالها أي تغييرات في المستقبل القريب.

الاحتمالات المُستقبلية لتطوّرات الأوضاع في منطقة الخليج العربي وأثرها على دول الجوار (العراق، الأردن، سوريا، لبنان)

هناك سيناريوهان رئيسيان:

السيناريو الأوّل (استمرار الجمود):  يظل الشرق الأوسط في حالة من التوتر المتصاعد، مع استمرار استهداف دول الخليج العربي من قبل الفصائل المسلحة العراقية. وستعاني سوريا من صعوبة في جذب الاستثمارات الخليجية لإعادة الإعمار. أما لبنان فسيظل ساحة صراع لوكيل إيران، حزب الله، مما يُعقّد جهود النهوض الاقتصادي. أما الأردن، فقد تعرض لهجمات إيرانية سابقة وسيُواجه أزمات اقتصادية نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة.
السيناريو الثاني (انتقال المنطقة إلى نظام إقليمي جديد):  قد يُسفر الصراع عن فراغات سياسية وأمنية هائلة في لبنان والعراق وسوريا في حال تفكيك "محور المقاومة". هذا التفكيك قد يُتيح فرصة تاريخية لإعادة إعمار هذه الدول بمساعدة خليجية ودولية، لكنه قد يُخلّف أيضاً نزاعات داخلية جديدة إن لم يتم ملء هذه الفراغات بالاستقرار.

في الخاتمة : نجد أنه في خضم هذا المشهد الجيوسياسي المُضطرب، تُشير المعطيات إلى أن منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط تقف على مفترق طرق مصيري. ففي ظل إصرار الولايات المتحدة الأمريكية على ممارسة أقصى درجات الضغط، وتعنت إيران في الدفاع عن نفوذها، تتحوّل المنطقة إلى ساحة لصراع استنزاف طويل الأمد في ظل حالة من "اللاحرب واللاسلم". ومع ذلك، ثمة مؤشرات على بوادر تحول هيكلي، أبرزها انسحاب دولة الإمارات العربية المتحدة من "أوبك" كبادرة استقلالية عن تحالفات الماضي، وتبني الصين ودول أخرى لاستراتيجيات "المحايدة النشطة" التي تركز على حماية المصالح الاقتصادية وتجنب الانخراط العسكري المباشر.

وبذا الوقت فإن استمرار حالة غلق مضيق هرمز يمثل "خطاً أحمر" اقتصادياً للعالم بأسره، مما يعني أن الضغوط الدولية لحل الأزمة ستتصاعد حتماً. ومع بقاء تعقيدات حادة في الموقف الروسي، وضعف الجاهزية لانسحاب دولة الإمارات العربية المتحدة من جامعة الدول العربية، يظل الرهان الأكبر على قدرة الأطراف الإقليمية، وخاصة دول الخليج العربي، على إعادة تعريف التزاماتها الأمنية والاقتصادية لمواكبة هذا الواقع الجديد المضطرب.

 

 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية