غنيمات يكتب: حدود حرية التعبير في مواجهة حماية الشعور الديني: دعوة لإطار قانوني منظم للمحتوى الرقمي والإعلانات المؤثرة
بقلم: الدكتور . حمدان عبدالقادر غنيمات – باحث قانوني
لم تعد القضايا المرتبطة بالمحتوى الرقمي مجرد وقائع عابرة في فضاء افتراضي، بل أضحت تمس بصورة مباشرة منظومة القيم المجتمعية، وتختبر في الوقت ذاته قدرة التشريعات الوطنية على مواكبة التحولات المتسارعة. وفي هذا السياق، أعادت واقعة الفيديو المتداول والمنسوب إلى المغني الأردني “السيلاوي” طرح إشكالية دقيقة تتعلق بحدود حرية التعبير، ومدى انضباطها عند تماسها مع الشعور الديني والسلم المجتمعي.
إن المقاربة القانونية الرصينة لمثل هذه الوقائع لا تنطلق من الأشخاص أو صفاتهم، بل من الأفعال ذاتها، ومدى انطباق النصوص الجزائية عليها. فإذا ثبت أن المحتوى ينطوي على إساءة صريحة للمعتقدات أو الرموز الدينية، فإن ذلك يندرج ضمن نطاق التجريم وفق أحكام قانون العقوبات الأردني، الذي يهدف في جوهره إلى حماية النظام العام وصون التوازن المجتمعي. كما أن نشر هذا المحتوى عبر المنصات الإلكترونية يفتح المجال لتطبيق أحكام قانون الجرائم الإلكترونية، لا سيما إذا اقترن بخطاب من شأنه إثارة الفتنة أو النعرات.
غير أن ما يستدعي الوقوف عنده بجدية أكبر، هو الفراغ النسبي في تنظيم المحتوى الذي يقدمه ما يُعرف اليوم بـ"المؤثرين" أو صناع المحتوى، ممن باتوا يمتلكون قدرة فعلية على التأثير في الرأي العام، وتوجيه سلوكيات شريحة واسعة من المجتمع، دون أن يخضعوا – في كثير من الأحيان – لإطار قانوني واضح يحدد مسؤولياتهم، خصوصًا في مجال الإعلانات والترويج.
لقد أفرز الواقع العملي حالات متعددة من الإعلانات غير المرخصة، التي لم تقتصر آثارها على التضليل التجاري، بل امتدت إلى خداع الجمهور والإضرار بثقته. ولا يغيب عن الأذهان ما أثير مؤخرًا حول إحدى الأكاديميات التي أعلنت عن برامج لتعليم اللغات الأجنبية، في واقعة أثارت جدلًا واسعًا حول مدى مصداقية تلك الإعلانات، وطرحت تساؤلات جدية حول غياب الرقابة المسبقة واللاحقة على هذا النوع من النشاط.
من هنا، يصبح من الواجب على الحكومة الأردنية والسلطات المختصة أن تتدخل بصورة أكثر فاعلية، من خلال وضع إطار تشريعي خاص ينظم الإعلانات الرقمية والبثوث التي تصدر عن الأشخاص ذوي المتابعة الواسعة، بحيث يشمل هذا الإطار:
تحديد شروط الترخيص للإعلانات الرقمية، وإلزامية الإفصاح عن المحتوى الترويجي، ووضع ضوابط للمسؤولية القانونية عن أي تضليل أو خداع، فضلًا عن تقرير عقوبات رادعة تتناسب مع حجم الضرر الذي قد يلحق بالمجتمع.
إن حرية التعبير، رغم مكانتها الدستورية، لا يمكن أن تتحول إلى مظلة لممارسات تفتقر إلى الحد الأدنى من المسؤولية المهنية أو الأخلاقية، كما أن ترك الفضاء الرقمي دون تنظيم كافٍ من شأنه أن يفتح الباب أمام تجاوزات تمس الأمن القانوني والاجتماعي على حد سواء.
وفي المقابل، فإن أي توجه تشريعي في هذا المجال يجب أن يراعي التوازن الدقيق بين حماية المجتمع من جهة، وعدم تقييد الإبداع أو خنق حرية التعبير من جهة أخرى، وهو توازن لا يتحقق إلا من خلال نصوص واضحة، وتطبيق قضائي عادل، وإرادة تنظيمية جادة.
ختامًا، فإن هذه الواقعة – بما أثارته من جدل – يجب ألا تُقرأ بوصفها حادثة فردية، بل كإنذار تشريعي يستدعي مراجعة جادة للأدوات القانونية الناظمة للمحتوى الرقمي في الأردن، بما يضمن حماية المجتمع، وتعزيز الثقة، وترسيخ سيادة القانون في فضاء لم يعد افتراضيًا بقدر ما أصبح واقعًا مؤثرًا في تفاصيل الحياة اليومية.