حياصات يكتب: خربشات أردنية: حين يتحول المجتمع إلى ترند
أ.د. علي حياصات
ليست المشكلة في منشورٍ مسيء، ولا في فيديو عابر، بل في الطريقة التي نتعامل بها معهما. في كل مرة تظهر قضية جديدة، لا نشهد نقاشاً بقدر ما نشهد موجة غضب سريع، أحكام جاهزة، وتصعيد يتجاوز الفعل نفسه. كأن المجتمع لا يبحث عن فهم ما حدث، بل عن موقعه داخل الاصطفاف.
في هذا السياق، لا يعود الفرد مجرد مخطئ، بل يتحول إلى قضية عامة، تُسحب منه إنسانيته لصالح صورة مختزلة، مذنب أو بريء، معنا أو ضدنا. هذه الثنائية المريحة تختصر التفكير، لكنها تلغي العدالة.
خربشة (1): نحن لا نناقش، نحن نحكم
ردود الفعل لم تعد تسعى للفهم، بل للإدانة. السؤال لم يعد ماذا قيل؟ لكن كيف نعاقب؟. وهنا تتحول المنصات إلى محاكم مفتوحة بلا قواعد، حيث يكفي أن ترتفع حدة الصوت ليُحسم الحكم.
خربشة (2): الترند يقود، والعقل يتأخر.
في بيئة رقمية تكافئ الانفعال، يصبح الأكثر غضباً هو الأكثر حضوراً. لا لأن طرحه أدق، بل لأنه أسرع انتشاراً. ومع الوقت، يُعاد تشكيل وعينا على إيقاع اللحظة، لا على أساس التفكير.
خربشة (3): عندما يتحول الخطأ إلى هوية.
بدلاً من التعامل مع الخطأ كفعل يمكن نقده ومحاسبة صاحبة قانونيا، نُحوله إلى تعريف كامل للشخص. وهنا تبدأ عملية الإلغاء، حيث لا مجال للتراجع أو التصحيح، بل فقط للاستمرار في الإقصاء.
خربشة (4): صمت النخبة
في مقابل هذا الضجيج، تتراجع الأصوات القادرة على خلق التوازن. أحياناً بدافع الحذر، وأحياناً بدافع اليأس من جدوى النقاش. لكن النتيجة واحدة، الساحة تُترك للأكثر حدة.
خربشة (5): حين تصبح العدالة رد فعل.
العدالة لا تُبنى على الغضب، بل على المعايير والقانون. لكن حين يسبق الضغط الشعبي القانون، يتحول الهدف من تحقيق الإنصاف إلى امتصاص الانفعال.
هذه ليست (بالطبع) دعوة للدفاع عن الخطأ او عن مرتكبية، ولا لتبرير الإساءة، بل لمحاولة وضعها في حجمها الطبيعي. فالمجتمع الذي لا يفرّق بين النقد والتشهير، ولا بين المحاسبة والانتقام، يعرّض نفسه لفقدان توازنه.
(خربشات أردنية) ليست أحكاماً نهائية، بل محاولة للفهم وسط الضجيج. وفي كل خربشة لاحقة، سنحاول تفكيك فكرة واحدة بعمق أكبر من محاكم التفتيش الرقمية، إلى صمت النخبة، وصولاً إلى سؤال بسيط ومعقد في آن واحد، هل ما نعيشه دفاع عن ثقافتنا المورثة، أم هروب من التفكير؟