العثامنة يكتب: ما قبل الجريمة: الصحة النفسية المنسية

 

مالك العثامنة


خلال السنوات الخمس الماضية، تكررت حوادث صادمة داخل الأسرة الأردنية، آباء يعتدون على أبنائهم، رجال يقتلون زوجاتهم، أطفال يدفعون ثمن نزاعات الكبار، ومجتمع يكتشف كل مرة أن العنف لم يعد استثناء، بل صار ظاهرة تتسلل بهدوء إلى البيوت، بعض هذه الجرائم ارتبط بالمخدرات، وبعضها وقع دون أي أثر لها، لكن القاسم المشترك بينها جميعا لم يكن مادة مخدرة، بل حالة نفسية مضطربة، مشاعر مكبوتة، غضب طويل، إحساس بالعجز، وشعور متراكم بأن الحياة تضيق يوما بعد يوم.
 

هذه الحالة لم تأت من فراغ، بل تراكمت بفعل ضغوط اقتصادية قاسية، وقلق يومي على لقمة العيش، وتوتر سياسي وإقليمي في محيط مشتعل، وتدفق دائم للأخبار الثقيلة، وحياة سريعة لا تترك مساحة للراحة النفسية، ومع مرور الوقت، ومع غياب ثقافة الاعتراف بالمشكلة، بدأ المجتمع يبحث عن مخارج سهلة وسريعة، فوجد بعضها في المخدرات، وبعضها الآخر في العنف، وبعضها في الدجل والشعوذة.
قبل أيام فقط، أعلنت الجهات المختصة ضبط شحنات من مواد تستخدم في أعمال الشعوذة، تم طلبها عبر الشراء الإلكتروني، داخل طرود عادية، تم تمويهها بعناية، وهذه الواقعة ليست تفصيلا هامشيا، بل مؤشر واضح على أن الشعوذة لم تعد ممارسة هامشية أو سلوكا فرديا، بل تجارة مزدهرة، لها سوق، ولها طلب، ولها زبائن يدفعون المال بحثا عن تفسير سريع لمعاناة لا يفهمونها، أو حلا سحريا لألم لا يعرفون كيف يعالجونه.
الأكثر إثارة للقلق أن هذه التجارة لا تقتصر على الفئات البسيطة، بل يقال إن بيوت شعوذة فخمة تنتشر في ضواحي عمان، يرتادها أشخاص ميسورون ومتعلمون، يؤمنون بالدجل رغم توفر العلم، فما بالك بالبسطاء الذين يعيشون تحت ضغط يومي قاس، ولا يجدون تفسيرا لكل قهر الحياة، فيلجأون إلى أي باب مفتوح، حتى لو كان بابا مظلما.
في المقابل، يقف الطب النفسي في الزاوية، بلا إيمان مجتمعي كاف، وبلا قناعة راسخة تحميه، وبكلفة علاج مرتفعة تجعل الوصول إليه صعبا لكثير من الناس، جلسة واحدة قد تكون عبئا ماليا، ودواء واحد قد يتطلب ميزانية لا يملكها مريض يعيش على دخل محدود، ومع غياب تغطية تأمينية واسعة، يتحول العلاج النفسي إلى خدمة نخبوية، بينما تظل الحاجة إليه عامة وشاملة.
المشكلة هنا ليست طبية فقط، بل تنظيمية أيضا، فالطب النفسي يحتاج إلى لوائح واضحة، وتعليمات محدثة، وربما تشريعات جديدة تضمن إدخال بعض خدماته ضمن التأمين الطبي الميسر، لأن ترك هذا المجال دون تنظيم كاف يعني دفع ثمن أكبر لاحقا، ليس فقط في المستشفيات، بل في المحاكم، وفي السجون، وفي البيوت التي تتحول فجأة إلى مسارح مأساة.
المجتمع الأردني ليس مريضا، لكنه متعب، وهذه حقيقة يجب الاعتراف بها بوضوح، والتعب النفسي إذا تُرك دون علاج، يتحول إلى عنف، أو إدمان، أو انهيار، أو لجوء إلى الدجل، وكلها طرق مختلفة للتعبير عن الألم نفسه، لذلك فإن الانتباه لمعنى الطب النفسي اليوم لم يعد ترفا، بل ضرورة وطنية، لأن الكلفة المؤجلة لهذا الإهمال لن تكون مالية فقط، بل إنسانية واجتماعية وأمنية، وهي كلفة سيدفعها الجميع دون استثناء.