الفاهوم يكتب: سيادة الغذاء والإنتاج

 

الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم

يفتح الموسم المطري الجيد في الأردن نافذة نادرة لا تُقاس بكمية المياه وحدها، بل بقدرتنا على تحويلها إلى قرار اقتصادي وسيادي. فحين تمتلئ السدود مبكراً، وتتحسن رطوبة التربة، وتتغذى المياه الجوفية، لا نكون أمام موسم زراعي مريح فحسب، بل أمام فرصة لإعادة صياغة علاقة الدولة بالغذاء، من الاستهلاك إلى الإنتاج، ومن التبعية إلى المرونة. غير أن هذه الفرصة، مهما بدت واعدة، تبقى محدودة الأثر إن لم تُدار ضمن رؤية متكاملة تربط بين الزراعة والصناعة وسلاسل الإمداد والسياسات العامة.

تكمن أهمية الزراعة الصيفية في هذه اللحظة تحديداً في أنها تمثل الحلقة التي تختبر قدرة الدولة على استثمار الوفرة المؤقتة في بيئة تعاني أصلاً من ندرة مزمنة في المياه. فالأمطار الجيدة لا تعني وفرة دائمة، بل تعني تخفيف الضغط مؤقتاً، وهو ما يفرض إدارة ذكية للمورد المائي، وتوجيهه نحو محاصيل تحقق أعلى عائد غذائي واقتصادي مقابل كل متر مكعب. هنا يتغير السؤال من كم نزرع إلى ماذا نزرع وكيف نزرع ولمن ننتج. فالتوسع غير المدروس قد يستهلك المكسب المائي سريعاً، بينما التوجيه الاستراتيجي يمكن أن يحول هذا الموسم إلى نقطة ارتكاز لسنوات لاحقة.

غير أن التحدي الحقيقي لا يبدأ في الحقل بل بعده. فالأمن الغذائي لا يتحقق بزيادة الإنتاج الخام، بل بقدرتنا على حفظه، وتصنيعه، وتسويقه، وتوزيعه بكفاءة. وهنا يظهر الدور الحاسم للقطاع الصناعي، الذي يجب أن يتحول من متلقٍ للفائض إلى شريك في تصميمه منذ البداية. فالصناعة الغذائية مطالبة بأن تستبق الموسم بعقود إنتاج واضحة مع المزارعين، تحدد الأصناف والكميات ومعايير الجودة، وتوفر مسارات تصريف مستقرة تقلل من تقلبات السوق. وهي مطالبة أيضاً ببناء طاقات مرنة قادرة على استيعاب الفائض وتحويله إلى منتجات ذات عمر تخزيني طويل، مثل المجففات والمعلبات والعصائر والمركزات، بما يقلل الهدر ويرفع القيمة المضافة.

ولا يقل عن ذلك أهمية تطوير سلاسل التبريد والتخزين والنقل، إذ إن جزءاً كبيراً من الفاقد في الأردن لا يحدث في الحقول بل بين المزرعة والسوق. كل صندوق خضار أو فاكهة يُفقد بسبب ضعف التخزين أو النقل هو في الحقيقة فقدان للماء والطاقة والجهد، وهو ما يضع قضية الهدر الغذائي في قلب معادلة الأمن الغذائي. فالدراسات تشير إلى نسب ملموسة من الفاقد في سلاسل الإمداد، ما يعني أن تحسين الكفاءة في هذه المرحلة قد يوازي أحياناً زيادة الإنتاج نفسه.

وتنسجم هذه المقاربة مع الرؤية الوطنية الشاملة التي تربط بين الزراعة والتصنيع والتكنولوجيا، كما تعكسها الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي ورؤية التحديث الاقتصادي. فهذه الرؤية لا تنظر إلى الزراعة بوصفها قطاعاً تقليدياً، بل كجزء من منظومة إنتاجية حديثة تعتمد على التكنولوجيا الزراعية، والبيانات، وسلاسل القيمة، والتصنيع، والتصدير. وهي رؤية تؤكد أن الأردن، رغم محدودية موارده، يمتلك القدرة على بناء دور إقليمي في مجال الغذاء، ليس فقط من خلال الإنتاج، بل عبر التخزين والخدمات اللوجستية والتصنيع ونقل المعرفة.

إن تحويل الموسم المطري إلى رافعة إنتاجية حقيقية يقتضي العمل على خمسة محاور مترابطة. يبدأ بالماء، عبر تحسين كفاءة استخدامه وتوسيع تقنيات الحصاد والتخزين والري الذكي. ويمر بالمحصول، عبر اختيار الأنواع التي تحقق توازناً بين القيمة الغذائية والعائد الاقتصادي وكفاءة استهلاك المياه. ويتعزز بالتصنيع وسلاسل الإمداد، عبر رفع القيمة المضافة وتقليل الفاقد. ويستند إلى البيانات، من خلال بناء نظام وطني يربط الإنتاج بالمخزون والأسعار والطلب. ويُدار عبر حوكمة فعالة تنسق بين الجهات المختلفة وتمنع تضارب السياسات.

في هذا السياق، لا يصبح المطر مجرد مورد طبيعي، بل أداة سياساتية إن أحسن استخدامها. فكل موسم جيد يجب أن يتحول إلى فرصة لبناء قدرة دائمة، لا إلى حالة مؤقتة من الوفرة سرعان ما تتبدد. وهذا يتطلب جرأة في اتخاذ القرار، واستثماراً موجهاً، وشراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص، ودوراً فاعلاً للمؤسسات البحثية والجامعات في تطوير حلول محلية ملائمة للبيئة الأردنية.

الخلاصة أن الطريق إلى الأمن الغذائي في الأردن لا يمر فقط عبر زيادة الإنتاج، بل عبر بناء منظومة متكاملة تجعل من كل قطرة ماء قيمة مضافة، ومن كل موسم فرصة للتراكم لا للهدر. حينها فقط يمكن أن يتحول المطر من نعمة موسمية إلى ركيزة سيادية، وتتحول الزراعة الصيفية من نشاط تقليدي إلى قوة إنتاجية، ويصبح القطاع الصناعي شريكاً مباشراً في حماية الأمن الغذائي، لا مجرد امتداد له.