ملكاوي يكتب: التضليل.. الانحطاط الفكري والتحيز

 

موفق ملكاوي


قبل سنوات عديدة، أخبرني أحد المعارف بـ"سر" صادم بمستوى سخفه، نقلًا عمن أسماه صديقه العامل في قطاع المياه الأردني. قال إن هناك خط مياه سري يمتد من سد وادي العرب نحو الكيان الصهيوني، ويتم فتحه ليلًا ليغذي الجانب الإسرائيلي من المياه الأردنية. السذاجة الواضحة في هذه المعلومة، وسخفها ولا معقوليتها، لم تمنع من وجود من يؤيدها بشدة في الجلسة، تحت ادعاءات كثيرة، أهمها أن هناك بنودًا سرية في اتفاقية السلام بين البلدين، ولا يمكن الاطلاع عليها أبدًا.
 

الخوض في مثل هذا النقاش العقيم سيكشف مدى الانسداد الفكري الذي يخيم على شريحة واسعة من الناس، رغم ادعاءاتهم الفضفاضة بأنهم ممن يستخدمون العقل في التعاطي مع المعرفة بمختلف أنواعها. في الحالة السابقة لا يبدو أن أحدًا ناقش معقولية المعلومة بحد ذاتها، في انتقائية فكرية تكشف الكيفية التي يستخدم هؤلاء فيها أدمغتهم في التحليل والتثبت، وربما في التضليل والانحياز الأعمى والإطاحة بكل ما قد يمت إلى الحقيقة بصلة.
لا توجد نسبة دقيقة يمكن اعتمادها بشكل قاطع لتحديد حجم المعلومات الخاطئة أو المضللة التي تنتشر يوميًا، والتي انتقلت من المشافهة التي كانت سائدة قديمًا، إلى الفضاء الرقمي بتغيراته العديدة، ومصادر إنتاجه غير المركزية. الدراسات تعطي مؤشرات مهمة، إذ تشير أبحاث منشورة في دوريات علمية مثل "ساينس"، إلى أن الأخبار الكاذبة تنتشر أسرع من الصحيحة على وسائل التواصل، وقد تصل إلى جمهور أوسع.
دراسات من جامعة "إم آي تي"، وجدت أن الأخبار الكاذبة أكثر قابلية لإعادة النشر بنسبة قد تصل إلى %70 مقارنة بالأخبار الصحيحة. فيما بينت تقارير صادرة عن معهد "رويترز لدراسة الصحافة"، أن نسبة كبيرة من المستخدمين تتراوح بين 40 % و%60 في بعض الدول، تشعر أنها تعرضت لمعلومات مضللة خلال فترات قصيرة.
هذه الحقائق تكشف أن هناك عوامل كثيرة تجعل تعايش الحقيقة والتضليل معًا في الفضاء نفسه ممكنًا، والتنافس على المستوى ذاته من القبول، ما يقودنا إلى أسئلة عن جوهر معركة الوعي في عصرنا، وعن كيفية إنتاج المعلومة المضللة، ووضعها في سياق التصديق، والرهان الذي يقود إلى إمكانيات التصديق.
أولى العوامل المؤثرة في هذا السياق وأهمها هي السمات الفكرية لمستقبل المعلومات، وهناك نوعان؛ الأول من يستقبلها دون تدقيق بسبب ضعف النضج المعرفي، فيتعاطى مع المعرفة بوصفها تلقيًا مباشرًا، ما يكشف عن سطحية تميل إلى الاكتفاء بالعناوين والانطباعات الأولى، ولا تملك صبرًا معرفيًا يسمح بالتفكيك أو التمحيص، ولا بالسؤال عن المصدر، بسبب غياب أدوات التفكير النقدي لديه، ما يجعله منقادًا وواثقًا بالمعلومة إذا جاءت من صديق أو شخص "يبدو" خبيرًا، أو منصة كبيرة، ومن دون اختبار فعلي للمصداقية.
هذا النوع يتأثر بطريقة عرض المعلومة ومصدرها ومحتواها، بما يمكن تسميته "التعامل العاطفي" مع المعرفة، ما يدلل على كسل معرفي يرى في التحقق من الصدقية عبئًا، وهو نوع لا يسعى إلى الخطأ، لكنه يقع فيه لأنه لا يمتلك أدوات الحماية المعرفية. لكنْ هناك نوع آخر من مستقبلي المعلومات، وهم الذي توافق هوى أو مصلحة ما في نفوسهم، ما يضعنا أمام سمات فكرية أخرى، فهو يمتلك القدرة على التمييز، لكنه يختار "التحيز المعرفي"، والانتقائية التي تؤكد قناعاته المسبقة، ويرفض ما يناقضها حتى لو كان صحيحًا. هذا النموذج يسعى إلى تسييس الحقيقة، فتصبح المعلومة صحيحة أو خاطئة بناء على موقعها من موقفه، لا على معيارها الموضوعي، بينما يستخدم المعلومات كأدوات دعم، ويستثمر في التضليل بالمشاركة بنشر معلومات يعرف أنها مضللة لأنها تخدم سرديته أو مصالحه. هذا النوع يعبر بوضوح كبير عن ازدواجية في المعايير، وهو النوع أخطر، لأنه يمارس انحيازًا واعيًا، تبعًا لتفضيلاته السياسية أو الاجتماعية أو الأيديولوجية أو غيرها.
البيئة المعلوماتية اليوم تعاني من سهولة انتشار الكذب وقابلية للتضليل، وهي تتغذى من عجز معرفي لا يمتلك أدوات الفحص، ومن انحياز إرادي يوظف المعلومة لخدمة موقف مسبق. وفي الحالتين، يكون الحل في بناء إنسان قادر على مساءلة ما يقرأ، لا أن يستهلكه بمعزل عن عقله.