عوض يكتب: الدول الفقيرة تدفع ثمن الدولار القوي
أحمد عوض
كلما تصاعدت المخاطر الجيوسياسية، يتجه كثيرون إلى الذهب بوصفه الملاذ الآمن الأشهر لحفظ القيمة في أوقات القلق وعدم اليقين.
لكن هذه الصورة لا تلغي حقيقة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن الدولار يعود أيضاً بقوة في لحظات الأزمات الكبرى. غير أن دور كل منهما مختلف، فالذهب يُستخدم أساساً كوسيلة للتحوط وحماية الثروة، بينما يُطلب الدولار لأنه أداة السيولة والتسعير والتسوية في التجارة والتمويل العالميين.
وهذا ما تكشفه الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران بوضوح. فرغم كل الحديث عن تراجع هيمنة الدولار، تعود الأزمات الكبرى لتؤكد أن النظام التجاري والمالي العالمي ما يزال منظماً حوله بصورة بنيوية. ففي لحظة الصدمة، لا يبحث العالم فقط عن أصل آمن يحفظ القيمة، بل عن عملة قادرة على تمويل التجارة، وسداد الالتزامات، وإدارة الحركة المالية اليومية، وهذه وظيفة ما يزال الدولار يحتل فيها الموقع الأول.
المسألة لا تتعلق فقط بالثقة في قوة الاقتصاد الأميركي، بل بحقيقة أن النظام التجاري والمالي العالمي بُني تاريخياً حول الدولار، من التجارة والتمويل إلى الاحتياطيات وآليات التسوية. لذلك، حين ترتفع المخاطر، لا يتجه العالم إلى بديل نظري، بل يعود إلى العملة الأكثر رسوخاً في هذا النظام. وهذا ما تعكسه الأرقام أيضاً، إذ كان الدولار طرفاً في نحو 89 بالمائة من تداولات سوق الصرف العالمية في نيسان (أبريل) 2025، وبلغت حصته نحو 57 بالمائة من الاحتياطيات الرسمية العالمية في الربع الرابع من العام نفسه، فضلاً عن استمراره كعملة مهيمنة في تسعير وفوترة جزء كبير من التجارة العالمية.
هذه الأرقام تظهر أن العالم لم ينجح بعد في بناء بدائل حقيقية تقلل الاعتماد على الدولار. لذلك، لا تتعامل الدول به، لأنه الأفضل في كل الحالات، بل لأنه العملة الأكثر استخداماً داخل نظام مالي وتجاري عالمي ما تزال قواعده قائمة عليه. ولهذا يصبح التخلي عنه أو تقليل الاعتماد عليه أمراً صعباً ومكلفاً.
المشكلة ليست في ارتفاع الدولار وحده، بل في أن كلفته تقع أساساً على الدول الأضعف، خاصة المستوردة للطاقة والغذاء والمثقلة بالديون. فصعوده يرفع كلفة الواردات وخدمة الدين والشحن، ويضعف قدرة الحكومات على تمويل الحمايات الاجتماعية. وهنا لا تبقى القضية مالية فقط، بل تتحول إلى ضغط مباشر على الأسعار والأجور وفرص العمل ومستويات الفقر.
هذه إحدى مفارقات الاقتصاد العالمي، فالحرب تضر النمو والتجارة والطاقة، لكنها في الوقت نفسه تقوي الدولار كملاذ آمن. وقد لا تكون قوة الدولار مكسباً كاملاً للولايات المتحدة لأنها ترفع كلفة صادراتها، وتعمق عجز ميزانها التجاري. لكن العبء الأكبر يقع على الدول الأضعف، لأنها تتحمل ارتفاع كلفة الاستيراد والديون والتمويل. وهكذا يتضح الخلل في النظام الدولي، من يملك العملة المهيمنة يكون أقدر على امتصاص الصدمة، أما من يعتمد عليها من الخارج فيدفع ثمناً أكبر لأزمات لم يصنعها.
صحيح أن هناك جهوداً، خاصة من الصين وروسيا، لتوسيع استخدام بدائل للدولار في الدفع والتجارة، لكنها ما تزال محدودة ولم تصل بعد إلى مستوى يسمح لها بمنافسته فعلياً. فالمسألة لا تُحسم بالمواقف السياسية أو بالرغبة في تقليل الاعتماد عليه، بل تحتاج إلى بناء مؤسسات مالية وأسواق تمويل وأنظمة مدفوعات واسعة وموثوقة تستطيع أن تقوم بالدور الذي يؤديه الدولار اليوم.
المطلوب ليس انتظار تراجع هيمنة الدولار، بل العمل على تقليل كلفة هذه الهيمنة على دول الجنوب العالمي، عبر بناء ترتيبات مالية وأنظمة دفع وتمويل إقليمية تخفف الاعتماد عليه وقت الأزمات. فالمشكلة ليست في الدولار بحد ذاته، بل في نظام عالمي غير متوازن يجعل الدول الأضعف تتحمل الكلفة الأكبر. وما لم تنجح هذه الدول في تقليص تبعيتها لهذا الواقع، فستبقى تدفع ثمن أزمات لم تكن سبباً فيها.