الدرعاوي يكتب: دورة برلمانية محدودة المخرجات

 

سلامة الدرعاوي


مع نهاية الدورة البرلمانية اليوم، يظهر تقييم واضح لأداء هذه الدورة، إذ إن حجم القوانين كان كبيرًا، مقابل إنجاز محدود، ما يعكس ضعفًا في إدارة المسار التشريعي أكثر من كونه خللًا في الإرادة، والتقييمات في بداية الدورة كانت تشير إلى أنها ستكون صعبة، بسبب وجود مشاريع قوانين تمس ملفات معيشية مباشرة، كالموازنة، والمعدل للضمان الاجتماعي والعمل والإدارة المحلية، ومشروع قانون ضريبة الأبنية والأراضي لسنة 2025، لكن ما تحقق على الواقع بقي دون هذا التقدير.
 

قانون الموازنة أُنجز ضمن مساره الطبيعي لأنه متطلب دستوري وخطة الدولة المالية، بينما القوانين الأكثر حساسية لم تصل إلى نهايات واضحة، إذ إن مشروع قانون ضريبة الأبنية والأراضي تم سحبه بعد تصاعد الجدل حوله، نتيجة غياب شرح كافٍ لبنوده، خاصة ما يتعلق بآلية التقدير الجديدة للأرض والبناء، وهذا التطور يعكس فجوة في إدارة التواصل مع الرأي العام، أكثر من كونه خلافًا على مضمون القانون نفسه، إذ إن التجربة أظهرت أن أي نص تشريعي يمس المواطن مباشرة يحتاج إلى تفسير مبكر ودقيق، وليس انتظار رد الفعل بعد طرحه.معدل قانون الضمان الاجتماعي واجه مسارًا متعثرًا، مع تأخر في الحسم، وتداخل في الرسائل المرتبطة به، خصوصًا فيما يتعلق بالتقاعد المبكر وسن التقاعد، وتعديلات قانون العمل كذلك بقيت ضمن دائرة النقاش دون تقدم حاسم، رغم حساسيتها المباشرة على سوق العمل، وهذه المؤشرات تؤكد أن الإشكالية تتركز في إدارة الملف التشريعي، من حيث التوقيت، وآلية الطرح، ومستوى الجاهزية.
الملف هنا إداري وتنظيمي بالدرجة الأولى، إذ إن القوانين ذات البعد المعيشي تحتاج إلى ثلاث مراحل واضحة، من حيث التحضير المسبق، والحوار المنظم، والشرح التفصيلي، لكن ما حدث أن هذه المراحل لم تُنفذ بالشكل المطلوب، ما أدى إلى اتساع الفجوة بين النصوص المطروحة وتفسيرها لدى الرأي العام، وهذا الفراغ انعكس مباشرة على النقاش تحت القبة، ورفع مستوى الحساسية تجاه هذه القوانين.
في هذا السياق، أسلوب الحكومة في إدارة العلاقة مع مجلس النواب كان قائمًا على الطابع المؤسسي، كما يقوده رئيس الوزراء جعفر حسّان، وهو توجه يركز على تنظيم العلاقة ضمن أطر واضحة، وهذا الخيار يحتاج إلى أدوات مرافقة، أهمها تعزيز قنوات التواصل المبكر مع النواب، وشرح تفاصيل القوانين قبل إدراجها على جدول الأعمال، بما يضمن تقليل فجوات الفهم ويعزز فرص التوافق.
الدورة الحالية أظهرت أن غياب التنسيق المسبق ينعكس مباشرة على مخرجات التشريع، وعندما يُطرح مشروع قانون دون تمهيد كافٍ، يتحول النقاش إلى رد فعل، وتتراجع القدرة على الوصول إلى صيغ توافقية، وهذه ليست مسألة تتعلق بطرف واحد، بل بمنهج إدارة العملية التشريعية ككل.
ترحيل عدد من القوانين إلى الدورة المقبلة يعني أن التحدي ما زال قائمًا، وأن الوقت المتاح لإعادة ترتيب المسار يجب أن يُستثمر بشكل مختلف، والمطلوب واضح، إعداد مبكر، وتواصل منظم، ووضوح في الرسائل، وهذه العناصر كفيلة بتحويل القوانين من نقاط توتر إلى مسارات إنجاز.
الدورة المقبلة ستكون امتدادًا مباشرًا لما حدث، وستحمل الملفات ذاتها، والفارق سيحدده أسلوب التعامل معها، وإذا استمر النهج الحالي، ستتكرر النتيجة، وإذا تم تعديل آلية العمل أو الفريق الحكومي الذي يناقش الملفات مع النواب، يمكن تحويل هذه الملفات إلى إنجازات تشريعية حقيقية.