المجالي يكتب: الشلة.. وزارة غير معلنة

 

نضال المجالي


في مكان ما بين فنجان قهوة مع ثلج وضحكة مكررة على نفس النكتة، تُدار واحدة من أخطر مؤسسات العصر: الشِلّة. لا شعار لها، ولا موقع إلكترونيا، ولا إعلان توظيف، ومع ذلك تُنتج قيادات، وتمنح مناصب، وتُقرر، بهدوء، من يستحق ومن يركن على الرف.
 

الشلة ليست تجمعًا عفويًا كما يُروَّج لها، إنها كيان منظم له شروط انضمام دقيقة لا تُكتب، لكنها تُحفظ عن ظهر قلب.
أولها: أن تكون "خفيف دم" بالمعايير الداخلية أنت ومن أحضرت على الجلسة كهدية، حتى لو كان ذلك على حساب أي ثقل اجتماعي أو فكري أو مهني.
ثانيها: إتقان فن الضحك الجماعي، حيث تضحك لأن الجميع يضحك، لا لأن هناك ما يُضحك.
ثالثها: القدرة على التماهي، أي أن تختفي ملامحك الخاصة لصالح هوية الشلة.
أما الشرط الأهم؟ توصية. نعم، لا يكفي أن تكون موجودًا؛ يجب أن "يُزكّيك" أحد الأعضاء المؤسسين، وكأنك تتقدم لوظيفة حساسة، لا لجلسة قهوة باردة. والانسحاب؟ قصة أخرى. الخروج من الشلة ليس قرارًا فرديًا بسيطًا، بل عملية معقدة قد تُكلفك "سمعتك الاجتماعية". فجأة تصبح "ثقيل"، "متغيّر"، أو الأسوأ: "شايف حاله". الشلة لا تحب من يغادرها، لأنها ببساطة تفقد قطعة من نفوذها.
لكن الذروة الحقيقية تكمن حين تتسلل الشلة من المقهى إلى المكتب، ومن السهرة إلى غرفة الاجتماعات. هنا، تتحول من مساحة عبث بريء إلى ماكينة قرارات. ترى أشخاصًا ارتقوا المناصب لا لأنهم الأكفأ، بل لأنهم "الأقرب". ملفاتهم المهنية قد تكون خفيفة، لكن سجلهم في حضور الجلسات، والمشاركة في "الضحكات"، والتصفيق في الوقت المناسب… حافل بالإنجازات.
في هذا العالم، لا تُراجع السيرة الذاتية بقدر ما يُراجع "تاريخك مع الشباب". هل حضرت كل السهرات؟ هل ضحكت في كل النكات؟ هل دافعت عن أفراد الشلة في غيابهم؟ إن كانت الإجابة نعم، فمبروك: أنت مرشح لمنصب قيادي، حتى لو كنت تخلط بين أبسط المفاهيم المهنية.
والأكثر إثارة للسخرية أن قيادة الشلة — ومن ثم المناصب التي تُنتج عنها — قد تؤول أحيانًا إلى أكثرهم سطحية، فقط لأنه الأكثر صخبًا أو الأقدر على جمع الناس حوله وأحيانًا قدرته على قول "حاضر" في كل طلب.
وهكذا، نجد من يقود فرق عمل كاملة بعقلية "جلسة كوفي شوب"، حيث تُتخذ القرارات بنفس خفة اختيار نوع "الديزيرت" وأقصد الحلويات.
أنواع الشلل؟ لا حصر لها: شلة الكوكتيلات التي تتظاهر بالعمق، شلة الموكتيلات التي تكتفي بالمظهر، شلة الشدة التي تُدير العالم على طاولة ورق، شلة الكوفي شوب، شلة المزرعة، شلة السهرة … وكلها تصب في النهاية في "الشلة الكبرى"، ذلك الكيان الهلامي الذي يبتلع كل شيء، حتى الكفاءة.
المفارقة المؤلمة أن الأكفأ لا يُستبعد لأنه ضعيف، بل لأنه خارج الدائرة. لا يملك "كفيل شِلّي"، ولا يجيد طقوس الانتماء. وهكذا، يُترك على الهامش، يراقب كيف تُدار الأمور بمعايير لا علاقة لها بما تعلمه أو أتقنه.
الشلة لن تختفي؛ فهي مريحة، دافئة، وتمنح شعورًا زائفًا بالأمان. لكن خطورتها كما نعيشها اليوم تبدأ حين تتحول من علاقة اجتماعية إلى معيار استحقاق. عندها، لا يعود السؤال: ماذا تستطيع أن تفعل؟ بل: مع من تجلس مساءً؟ وفي إجابة هذا السؤال وحده… تختصر الحكاية كلها.