منصور يكتب: أيتام طاعنون في السن
د.عاصم منصور
شاهدتُ قبل أيام مقطعًا قصيرًا ومؤثرًا على «يوتيوب» لمسن يعيش في إحدى المدن الغربية، يتصل بخدمة الطوارئ، لا ليبلغ عن حالة طبية طارئة أو عن حريق أو جريمة؛ بل كان صوته المرتجف يطلب شيئًا أبسط وأقسى في آن واحد: «هل يمكن أن يُرسل لي أحدٌ طعامًا؟ أنا جائعٌ ولا أستطيع الذهاب إلى المتجر». لا أعتقد أنّ الجوع هو المشكلة الحقيقية لدى ذلك المسن، بل العزلة والوحدة القاتلة التي يعاني منها هذا الإنسان ومثله الملايين من المسنين. فالعالم اليوم يشهد تسارعًا لافتًا في الشيخوخة السكانية، مع ارتفاع أعداد كبار السن إلى مئات الملايين عالميًّا واتساع نسبتهم عامًا بعد عام.
لقد شهدت المجتمعات الغربية خلال العقود الماضية تحولات اجتماعية عميقة تمثلت في تعاظم القِيم الفردية وتفكك الروابط الأُسرية التقليدية؛ مما أدى إلى ظهور مصطلح «المسن اليتيم»، وهو تعبير يصف فئةً آخذةً في التوسع من كبار السن الذين يعيشون بلا شريك حياة، ولا أبناء أو أقارب يمكن الاعتماد عليهم، وغالبًا دون شبكة أصدقاء قادرة على التدخل وقت الحاجة. وهؤلاء ليسوا أيتامًا بالمعنى العمري، لكنهم أيتام من سند الحياة، يواجهون خريف العمر بمفردِهم تمامًا، بلا «شبكة أمان» اجتماعية تحميهم من وهن العظم وخيانة الجسد وتسرب الذاكرة.
لا تكمن الخطورة في حالة «المسن اليتيم» في الوحشة العاطفية فحسب؛ بل في «الهشاشة الوجودية»، فالمسن الذي يعيش وحيدًا يواجه تحديات يومية قد تبدو بسيطة للآخرين لكنها مستحيلة بالنسبة له: من ينسق له مواعيد أدويته؟ ومن يرافقه إلى المستشفى؟ ومن ينتبه لتدهور حالته الصحية أو النفسية؟ ومن يتخذ القرارات المصيرية نيابةً عنه حين يفقد القدرة على التمييز؟ وفي ظل غياب هذا السند تتحول الوعكة الصّحية البسيطة إلى كارثة، والسقوط في المنزل إلى غياب قد لا يكتشفه أحد إّلا بعد فوات الأوان.
قد يظن البعض أن مجتمعاتنا العربية بمنأى عن هذه الظاهرة، متكئين على إرثنا الاجتماعي والديني في بر الوالدين وتماسك العائلة الممتدة والتكافل الاجتماعي، لكن الواقع يقول إن أنماط الحياة في مجتمعاتنا تتغير بسرعة مذهلة؛ فالهجرة بحثًا عن الرزق، وانشغال الأبناء في خضم مطحنة الحياة اليومية، وتأخر سن الزواج أو العزوف عنه، كلها عوامل بدأت تفرز لدينا حالات يُتم مقنَعة لكبار السن وهذا ما ألمسه من خلال عملي اليومي وتعاملي مع المرضى.
إن مواجهة ظاهرة المسن اليتيم تتطلب الانتقال من التعاطف الفردي إلى المأسسة المجتمعية لرعايتهم، فنحن بحاجة إلى سجلات وطنية تتابع أحوال كبار السن الذين يعيشون بمفردهم، وإلى تفعيل دور البلديات ومؤسسات المجتمع المحلي ومراكز الرعاية الأولية في تنظيم زيارات دورية لهم أو اتصالات هاتفية للاطمئنان عليهم وتأمين احتياجاتهم، من خلال موظفين مختصين بالرعاية الاجتماعية، وهذا للأسف تخصص مغيب في بلدنا.
إن ذاك الاتصال بالطوارئ لم يكن مجرد مكالمة لطلب الطعام، بل كان صرخة احتجاج ضد عالم يزداد ازدحامًا بالبشر وفقرًا بالإنسانية، فكرامة أي مجتمع تقاس بكيفية تعامله مع أضعف حلقاته، وحمايتهم من «اليُتم» في أرذل العمر ليست منة من أحد؛ بل هي استحقاق أخلاقي ودين في أعناقنا جميعًا، فكلنا سائرون نحو ذلك العمر إن كُتبَ لنا ذلك، وكلنا نرجو ألا نجد أنفسنا يومًا نستجدي الطعام من لدن «غريب» لأنّ «القريبَ» غائب.