الدرعاوي يكتب: سكة حديد العقبة
سلامة الدرعاوي
مشروع سكة حديد ميناء العقبة، هو تحول حقيقي في مسار الاقتصاد الأردني، وهو الاستثمار الأضخم خلال 25 عامًا من حيث الحجم والتأثير، إذ إن هذا المشروع الذي تبلغ قيمته قرابة 2.3 مليار دولار، يأتي نتيجة شراكة متوازنة بين الأردن والإمارات، وهو ما يؤكد أن ما يجري هو جزء من رؤية اقتصادية متكاملة.
المشروع الذي يقوم على إنشاء شبكة سكك حديدية بطول 360 كيلومترًا، تربط مناجم الفوسفات في الشيدية ومناجم البوتاس في غور الصافي بالميناء الصناعي في العقبة، عبر مسارين رئيسيين، وهذه الشبكة تعتبر بنية تحتية حديثة تشمل جسورًا وأنفاقًا وفق أعلى المعايير العالمية، ما يعكس مستوى الطموح الذي يقف خلف المشروع.
التركيبة الاستثمارية بحد ذاتها تحمل دلالة مهمة؛ شراكة بنسبة 50 بالمائة بين جهات أردنية تشمل شركات إستراتيجية وصندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي، مع شركة إماراتية تعد الذراع الاستثمارية الرئيسية لحكومة أبوظبي وتمتلك خبرات واسعة في مشاريع السكك الحديدية إقليميًا ودوليًا.
وهذه الصيغة تعني أن المشروع ليس تمويلًا خارجيًا تقليديًا، لكنه استثمار مشترك قائم على تقاسم المخاطر والعوائد، وهو ما يعكس تحولًا في فلسفة إدارة المشاريع الكبرى في الأردن. وأهمية المشروع تمتد إلى دوره في تقليل كلف النقل وتحسين كفاءة سلاسل التوريد، فبدلًا من الاعتماد على وسائل النقل التقليدية، سيوفر النقل السككي وسيلة أكثر كفاءة وأقل تكلفة، الأمر الذي ينعكس إيجابًا على أسعار المنتجات وقدرتها على المنافسة في الأسواق العالمية، كما أن المشروع سيسهم في تعزيز مكانة ميناء العقبة، ليصبح بوابة إقليمية متكاملة للنقل والشحن والخدمات اللوجستية، بدلًا من كونه مجرد منفذ بحري تقليدي. ويمثل هذا المشروع الخطوة الأولى نحو إنشاء شبكة سكك حديدية وطنية تربط مختلف مناطق المملكة، وتمتد مستقبلًا إلى الدول المجاورة، بما في ذلك سورية وتركيا ودول الخليج، وصولًا إلى أوروبا، وهذا الامتداد يفتح آفاقًا واسعة أمام الأردن ليصبح مركزًا إقليميًا للنقل والتجارة، ويعزز دوره في الربط بين الأسواق المختلفة.
كما يحمل المشروع بعدًا تنمويًا مهمًا، خاصة في مناطق الجنوب والأغوار، حيث سيسهم في خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في قطاعات متعددة مثل النقل والتعدين والخدمات اللوجستية، إضافة إلى ذلك، سيساعد المشروع في نقل الخبرات والتقنيات الحديثة إلى الكوادر الأردنية، ما يسهم في بناء قدرات وطنية متخصصة في قطاع السكك الحديدية.
في هذا السياق، يتحول ميناء العقبة من منفذ بحري تقليدي إلى بوابة متكاملة للنقل متعدد الوسائط، تجمع بين النقل البحري والبري والسككي، وتخلق بيئة جاذبة للاستثمارات اللوجستية والصناعية، هذا التحول يفتح المجال أمام إنشاء مناطق لوجستية وصناعية مرافقة، ويعزز من قدرة الأردن على جذب استثمارات أجنبية تبحث عن مراكز توزيع إقليمية مستقرة وفعالة.
على مستوى الاقتصاد الكلي، المشروع يأتي في قطاع النقل والتخزين وإدخال استثمار بهذا الحجم في هذا القطاع يعني خلق أثر اقتصادي واسع يمتد إلى قطاعات التعدين والخدمات والطاقة، ويعزز القدرة التصديرية خاصة في الفوسفات والبوتاس، اللذين يشكلان ركيزة أساسية في الصادرات الوطنية.
في المقابل، لا يمكن فصل هذا المشروع عن عامل الثقة، إذ إن إطلاق مشروع بهذا الحجم في ظل ظروف إقليمية معقدة يعكس إدراكًا استثماريًا بأن الأردن يتمتع بدرجة عالية من الاستقرار السياسي والاقتصادي، وأنه قادر على تنفيذ مشاريع إستراتيجية طويلة الأمد. وهذه الثقة مدعومة بمؤشرات واقعية، من بينها ارتفاع مستوى التفاؤل لدى المستثمرين حول تحسن البيئة الاقتصادية، وهو ما يعزز موقع الأردن كممر آمن وموثوق للتجارة والنقل في المنطقة.
وفي النهاية، يمكن القول إن مشروع سكة حديد ميناء العقبة يمثل خطوة كبيرة نحو تطوير البنية التحتية في الأردن، وتعزيز قدرته على المنافسة الاقتصادية، وسيكون بداية لمرحلة جديدة من النمو والتنمية المستدامة في المملكة.