أبو زينة يكتب: أن تفكر كفلسطيني..! (23)
علاء الدين أبو زينة
وصفة لشرق أوسط بلا فلسطين
في مطلع هذا الشهر، نشرت مجلة «فورين أفيرز» مقالًا بعنوان «الحتمية الإيرانية: كيف يمكن لأميركا وإسرائيل تشكيل شرق أوسط جديد» The Iran Imperative: How America and Israel Can Shape a New Middle East. والمقال من كتابة عاموس يدلين وأفنير غولوف. يالدين لواء متقاعد من سلاح جو الكيان الصهيوني، وشغل منصب رئيس شعبة استخباراته العسكرية بين العامين 2006 و2010. وغولوف كان بين العامين 2018 و2023 مديرًا أول في «مجلس الأمن القومي» للكيان. وهما الآن رئيس ونائب رئيس مركز «مايند إسرائيل» الصهيوني، على التوالي.
يقيم الكاتبان أطروحتهما على فكرة مركزية واضحة: يشكل إضعاف إيران عسكريًا- وربما تهيئة الظروف لتقويضها وتغيير نظامها- المدخل الضروري لإعادة تشكيل الإقليم ليكون أكثر استقرارًا، بقيادة تحالف «أميركي– إسرائيلي» موسّع، تدعمه دول عربية «براغماتية». ويبذل الكاتبان جهدهما لإثبات أن إيران هي المصدر الرئيس لعدم الاستقرار في الإقليم، ببرنامجها النووي، وقدراتها الصاروخية، وشبكة وكلائها في المنطقة. والوصفة هي تحييد هذه القوة، وبذلك تفكيك هذه الشبكات، وفتح الطريق أمام نظام إقليمي جديد يقوم على الردع الأمني، والتكامل الاقتصادي، واستكمال «التطبيع العربي– الإسرائيلي»، مع معالجة تدريجية للقضية الفلسطينية ضمن شروط أمنية يحددها الكيان.
تفترض الأطروحة أن الولايات المتحدة هي الضامن الوحيد القادر على توفير الأمن في المنطقة، وأن يتحوّل الكيان الصهيوني مِن متلق للحماية إلى شريك عملياتي متقدم في توفير الأمن، يمكنه الإسهام في حماية المصالح الأميركية. ولذلك، يجب تعميق التكامل العسكري والتقني بين واشنطن وتل أبيب، وبناء بنية إقليمية جديدة- تشمل دولًا عربية رئيسية- بحيث تُعاد صياغة توازنات القوة لمصلحة هذا المحور، واحتواء أي قوى معارضة أو «متطرفة».
بالوسع، من سيرة الرجلين، تخمين أي «شرق أوسط جديد» هو الذي سيقترحانه؛ وهما العضوان في المؤسسة الاستعمارية الاستيطانية العدوانية. لكن الملفت أن رؤيتهما تتطابق تقريبًا مع خطاب شريحة من النخب العربية العاكفة بدأب النمل على تأييد فكرة أميركا والكيان عن أن إيران هي حقًا «الخطر الأكبر» أو حتى «الوجودي» على الشعوب العربية. وتروج هذه النخب، بدرجات متفاوتة، نفس السردية التي تعتبر تدخلات طهران الإقليمية –بـ»الوكلاء»- هي السبب الرئيسي –بل الوحيد- لفوضى المنطقة، وأن مواجهة هذا النفوذ تستدعي تحالفًا وثيقًا مع الولايات المتحدة -ومع الكيان بالتبعية.
من الطبيعي أن هذه المقاربة تلغي، بتعريفها لمصدر التوتر، مركزية القضية الفلسطينية، وتوصي بتأجيلها مقابل أولوية «الأمن الإقليمي» في مواجهة إيران– وربما تركيا غدًا. وفي هذا التقاطع، يجد يدلين وغولوف نقطة التقاء مفترضة بين رؤية أميركا والكيان من جهة، ورؤية عربية مطابقة تمنح مشروع أميركا والكيان غطاء إقليميًا وتعزز قابليته للترويج.
يتبع هذا النوع من الطرح منهج قطع السياقات نفسه. بعد هجوم 7 أكتوبر، سوق الكيان الحدث على أنه بداية كل شيء، وأن القضاء على «الإرهاب الفلسطيني» هو الحل لاستقرار الإقليم –والعالَم المهدَّد. وفي ذلك الحين، انضمت النخب العربية نفسها إلى الكيان بتوجيه اللوم إلى الفلسطينيين «المتهورين» الذين أقلقوا تسلسل ترتيبات الإقليم –الذاهبة إلى استكمال تطبيع الكيان في الحقيقة. والآن يجري تسويق فكرة أن طموحات إيران الإقليمية هي بداية ونهاية الفوضى في الشرق الأوسط، وأن تقليص نفوذ إيران –والأفضل تدميرها بالكامل- هو «نهاية التاريخ» والحدث الذي سينهي الصراعات ويجعل الجميع فرِحين بإقليم أكثر سلامًا من الجنة الموعودة.
وإذن، كانت المنطقة مستقرة قبل صعود إيران. لم يكن ثمة ما ينزع الاستقرار في نكبة 1948؛ في عدوان 1956، في نكسة 1967، في غزو لبنان 1982 والعراق 2003. لم يكن ثمة ما يقلق دعة الإقليم في هذه السلسلة الطويلة من التدخلات الخارجية بهدف «إعادة تشكيل الشرق الأوسط»، بتحويل الصومال وليبيا وسورية ولبنان إلى دول فاشلة أو شبه فاشلة. لم يكن ثمة ما يقلِق في زرع وإدامة كيان استيطاني إحلالي عدواني توسعي في قلب المنطقة على حساب ربما أكثر من 20 مليون عربي فلسطيني الآن.
لا يذكر كاتبا المقال– واللذين يشاركونهما الرأي من نخبنا- أثر التدخل الأميركي السافر وتصرفات الكيان العدواني التوسعي الصهيوني في إضعاف دولنا ومجتمعاتنا، وخلق فراغات سيادية وأمنية تغري كل أنواع القوى الطامحة– ومنها إيران- إلى توسيع نفوذها بمهاجمة المساحات الفارغة. وكل ما يفعله هذان وأولئك هو الدفع والترافع من أجل إعفاء الفاعل الأصلي، القديم-الجديد الكبير، هائل الحضور ومطلق التأثير، من أي استنطاق أو مساءلة عن كوارث الإقليم، بجعل التفسير أداة للتبرير.
لا يقتصر عيب هذه الأطروحة على حلولها، وإنما يتصل بتشخيصها ذاته. إنها تتعامل مع عرَض واحد من أعراض مرض المنطقة– دور إيران في هذه الحالة- بينما تتجاهل الجذور العميقة التي أنتجب هذا النظام الإقليمي المضطرب. ولمعالجة العرض، توصي الأطروحة باستئصال كيان إقليمي أصيل وتاريخي لحساب فتح المساحة أمام تطبيع المرَض الأصلي ذاته: مشروع استعماري مهدِّد –علناً- بالتوسع في دول المنطقة وهو الغريب عن المنطقة؛ وتكريس هيمنة قوة عالمية إمبريالية لا تخفي عدوانيتها، وغريبة أيضًا عن المنطقة- بمباركة دول الإقليم. كل ذلك في تجاهل لإرادة شعوب الإقليم، وفي تغييب لأي معيار للشرعية والعدالة –وعلى حساب وجود شعب كامل، تاريخي وأصيل في المنطقة.
إذا كان ثمة مِن بيننا يشترك مع منظرَي المشروع الإبادي الصهيوني، يدلين وغولوف في رؤيتهما لوصفة استقرار الإقليم، التي يوضحان أنها تريد تثبيت الكيان الاستعماري وتعزيز سطوته، وتكريس هيمنة المهيمن الأميركي- فإن عليه أن يستنطق صوابية قناعته الفكرية والأخلاقية –ووطنيته، وإنسانيته:
وطنيته، لأن أي طرح يتماهى مع خطاب كيانات لا تضمر– بالتكوين والتعريف- أي خير لأوطاننا لا يمكن أن يكون وطنيًا. وإنسانيته، لأن ترويج خطاب يشتت الأنظار عن القضية الفلسطينية، ويعفي المتسببين الأصليين بنكبة شعب- وبتأزيم الأمة كلها إلى حد جعلها محتاجة إلى استدعاء أعدائها نفسهم لحمايتها- من إيران؟- هو عمل غير أخلاقي ولا إنساني. على هؤلاء أن يجيبوا الشعب الفلسطيني عن ترويجهم تفسيرات وتسويق حلول تفضي عمليًا إلى «شرق أوسط جديد» بفلسطين مؤجلة– أو بلا فلسطين في الحقيقة. عليهم أن يفسروا دأبهم على تطبيع مستعمري فلسطين، وإرسال الفلسطينيين إلى غياهب النسيان!