الطويقات يكتب ...بين “شو عم تعمل؟” و“إيش بتسوي"؟
كتب الدكتور أجمل الطويقات
مساءً، وأنت تتنقّل بين القنوات الفضائية الأردنية، فتستمع "للمزيعات وهن عم بيؤولوا"، أو تسرح في مقاطع وسائل التواصل، قد تشعر—لا سمح الله—أنّك غادرت عمّان دون ختمٍ على الجواز!
وجوهٌ أردنية، أسماءٌ أردنية، لكن الألسنة… في إجازة مفتوحة خارج الحدود. لهجةٌ لا هي شامية خالصة، ولا لبنانية مائلة، ولا تعبّر عن فلّاحي غرب النهر وأهل مُدنه، ولا تُمثّل مكوّنات المجتمع الأردني، ولا خليجية صافية، ولا هي أردنية تعرف طريقها إلى “سوق الجمعة”. مزيجٌ عجيب، كطبقٍ أُضيف إليه كلُّ ما في المطبخ… ففقدَ طعمه!
وهنا، لا بد من السؤال الذي يطرق الأذن قبل العقل:
من أين جاءت هذه اللهجة “المنقّحة” التي لا تُشبهنا، ولا تُشبه حتى من يحاول تقليدها؟
نحن لا نتحدث عن اختلافٍ طبيعي بين لهجات الشمال والجنوب مثلًا، ولا عن ثراءٍ جميل بين المدينة، والبادية، والريف، والمخيّم؛ فذلك تنوّعٌ يُغني، لا يُربك. نحن أمام ظاهرةٍ أخرى، لهجة مصطنعة، تُلبس على عَجَل، كبدلةٍ مُستعارة في عرسٍ لا نعرف أهله.
حين تذهب إلى محلات "كلّ شي بنص دينار" مثلًا، أو "تميّل" لشراء ساندويشة فلافل، أو حين تُصغي مساءً لبرامج التلفزيون، أو في برامج الصباح، تلبس اللهجة قناعًا ليس لها؛ تسمع إحداهن تقول: “أنا كتير كتير مبسوط بهيدا الموضوع، بس برضو يعني في شويّة… you know… تحزيرات!”
فتحتار: أتتحدث هذه، أم تعقد مؤتمرًا لغويًا مصغّرًا في جملة واحدة؟
ولعلّك تُدرك منذ اللحظة الأولى، وأنت تستمع عنوةً، سخافة "المزيعة" وسطحية أفكارها، وغياب ثقافتها؛ وهبوط المحتوى الذي تطرحه، واصطناع لَكنتِها ولهجتها؛ مما يزيد علينا ثقل تحديات التلوث السمعي والبصري والقيمي.
والمفارقة المؤلمة أنّ كثيرين ممّن يُتقنون هذه “اللهجة المُركّبة” لا يستخدمونها في بيوتهم، ولا في قُراهم، ولا حتى مع أصدقائهم المُقرّبين. حيث تعود اللهجة إلى رشدها، وتجلس على الكرسيّ البلاستيكيّ أمام البيت، بالحوش، تشرب شايًا بالميرمية، وتقول: “يا زلمة خلّصنا!”
أمّا أمام الكاميرا، فتتحوّل إلى كائنٍ لغويٍّ جديد، لا تاريخ له ولا جغرافيا.
ولأنّ اللهجة ليست مجرّد أصواتٍ تُنطق، بل ذاكرةٌ تمشي على قدمين، فإنّنا حين نتخلّى عنها لا نُغيّر طريقة الكلام فقط، بل نُفرّط —دون أن نشعر—بشيءٍ من هُويّتنا.
اللهجة الأردنية، بكلّ تنوّعاتها، ليست عيبًا يُخفى، ولا “مستوىً أقلّ” يُستبدل، بل هي مستودع حكاياتنا، ونبرة أمّهاتنا، وضحكة جدّاتنا التي لا تحتاج إلى ترجمة؛ لأنّها واضحة الدلالة، موسيقيّة النُّطق.
أليست هي التي تحمل أمثالنا؟!
أليست هي التي تقول: “اللّي ما له أوّل، ما له تالي”؟!
فكيف أصبح لها اليوم “بديل” مؤقّت… وكأنّ الأصل لم يعد يكفي؟!
إنّ من باب الحقيقة الواسع قولُنا إنّ بعض هذه اللهجات المُصطنعة لا تُقنع حتّى أصحابها!
تَرى المُتحدّث يُبدّل نبرته كلّ ثلاث كلمات، وكأنّه يجرّب “فلترًا” صوتيًّا جديدًا، فإذا سقط الفلتر عاد الصوت إلى طبيعته، كطفلٍ مُسِكَ مُتلبّسًا بسرقة قطعة حلوى!
المشكلة ليست في تعلّم لهجاتٍ أخرى—فهذا انفتاحٌ محمود، ولا أحد يعترض على أن يتحدّث المرء بما يشاء في سياقه المناسب، لكنّ المشكلة تبدأ حين نخجل من لهجتنا الأصيلة، أو نظنّ—واهمين—أنّها أقلّ “رُقيًّا” أو “قبولًا”، فنستبدلها بنسخةٍ هجينة، لا تُشبهنا ولا تُقنع غيرَنا.
إنّ اللهجات المحليّة ليست مجرّد أدوات تواصل مؤقّتة، بل هي أوعية زمنيّة تحفظ تفاصيل الحياة: فيها أسماء الأشياء كما عرفها الأجداد، وفيها نبرة الفرح حين يأتي المطر، وفيها حكايات السّهر على ضوء القمر، وفيها—قبل كلّ شيء—ذلك الخيطُ الخفي الذي يربطنا بما كنّا… ويُبقي لنا معنى ما نحن عليه، وهي شريان من شرايين اللغة الفصيحة.
في زمن العولمة، حيث تتشابه الوجوه والواجهات، وقد تخلّينا عن لباسنا التقليديّ، تبقى اللهجة آخر خطوط الدّفاع عن الخصوصيّة المجتمعيّة.
فإذا فرّطنا بها، فماذا يبقى لنا من ملامحنا بعد؟!
ولعلّ الخلاصة التي تستحقُّ أن تُقال دون “فلترة” لغويّة هذه المرّة: كن كما أنت… تحدّث كما يتحدّث والداك، لا كما يتكلم المؤثّرون.
فالأصالة لا تحتاج ترجمةً، واللهجة التي خرجت من القلب… تَصل، وإن لم تُعجب الباحثين عن هوية خارج أصالة مجتمعنا الأردني.