الحواتمة يكتب : العَلم ليس رمزاً فقط بل وعي وهوية وكرامة لا تمس . في وطني المملكة الأردنية الهاشمية ، لا تقاس قيمة العلم بعلوه فو

المهندس محمد العمران الحواتمة يكتب ✍️

 

في وطني المملكة الأردنية الهاشمية ، لا تقاس قيمة العلم بعلوه فوق الساريات ، بل بعلوه داخل النفوس . لا يختصر في مناسبة ولا يحبس في صورة ولا يختزل في كلمات تقال ثم تنسى . هذا العلم ليس تفصيلا عابراً ، بل هو الأصل ، هو الموقف ، هو الاختبار الحقيقي لكل من يدعي الإنتماء .

نقف أمامه ، نعم ، لكن الحقيقة التي لا بد أن تقال : ليس كل من وقف فهم وليس كل من رفعه احترمه . لأن الوقوف سهل  أما الوعي فصعب والالتزام أصعب  والثبات على المعنى هو الامتحان الذي يكشف الجميع . كم من يد ارتفعت بالتحية وقلبها غائب وكم من صوت تغنى بالوطن وسلوكه أول من خانه . هنا يبدأ الفرق … بين من يعيش العلم ومن يكتفي بتمثيله .

العلم الأردني ليس قطعة قماش تحركها الرياح ، بل قيمة لا يجب أن تحركها المصالح . ليس ألواناً صامتة ، بل مواقف ناطقة وتاريخاً لا يكتب بالحبر بل يحفظ بالفعل . كل لون فيه قصة وكل تفصيل فيه رسالة ، لكن المشكلة ليست في وضوحه ، بل في استعدادنا لنكون على قدره .

الخطر الحقيقي ليس أن يسقط العلم من يد أحد ، بل أن يسقط معناه من داخله دون أن يشعر . أن يتحول إلى عادة ، إلى ديكور ، إلى خلفية تستخدم ثم تنسى . هنا لا نخسر الشكل ، بل نخسر الجوهر والخسارة في المعنى أخطر من أي خسارة ترى .

ومن هنا تبدأ المسؤولية الحقيقية ، في البيوت قبل الساحات ، في التربية قبل الشعارات ، في الأطفال قبل الكبار . لا يكفي أن نطلب منهم أن يقفوا ، بل يجب أن نعلمهم لماذا يقفون . لا أن نلقنهم كلمات ، بل أن نزرع فيهم فهماً عميقاً أن هذا العلم ليس شيئاً عادياً ، بل رمز له هيبة وله قيمة وله مكانة لا تمس .

علموا أبناءكم أن العلم الأردني لا يهان ، لا يرمى ، لا يستخدم بلا احترام . علموهم أنه ليس لعبة ولا زينة ، بل عنوان وطن وملخص تاريخ وراية كرامة . علموهم أن النجمة فيه ليست للزينة ، بل رسالة وأن الألوان ليست مجرد شكل ، بل مواقف اختصرت في رمز .

ازرعوا فيهم أن احترام العلم لا يكون بيوم واحد ، بل بأسلوب حياة . في الصدق حين يكون الكذب أسهل ، في الأمانة حين يكون الغدر مغرياً ، في احترام الآخرين حين يكون التجاهل ممكناً . لأن من لا يحفظ وطنه في سلوكه ، لن يحفظه في رموزه ، ومن يرفع العلم بيده ويخالفه بفعله لم يفهمه أصلاً .

الوطن لا يحتاج أصواتا عالية بل ضمائر حية . لا يحتاج شعارات صاخبة ، بل مواقف صامتة لكنها صلبة ، لا يحتاج من يصفق له أمام الناس ، بل من يصونه حين يغيب الجميع ، وهنا فقط يظهر المعدن الحقيقي ، بعيداً عن كل المظاهر .

تعليم الأطفال أن العلم مقدس ليس مبالغة ، بل حماية للمعنى . لأن الرموز إن سقطت هيبتها ، سقط ما بعدها ، وحين يكبر الجيل وهو يدرك أن لهذا العلم حرمة ، فإنه يكبر وهو يعرف حدوده ، ويعرف أن هذا الوطن ليس مكاناً يعيش فيه فقط ، بل قيمة يعيش لأجلها .

ارفعوا العلم لكن لا ترفعوه بأيد فارغة من المعنى . قفوا له ، لكن لا تقفوا بأجساد بلا وعي ، علموا أبناءكم ، لكن قبل ذلك ، كونوا أنتم المثال الذي لا يحتاج شرحاً . لأن أعظم تعليم ، هو ما يرى لا ما يقال .

وفي النهاية ، سيبقى العلم مرفوعاً فوقنا جميعاً ارفعوه واجعلوه يعانق السماء ، لكن اجعلوا هذا الارتفاع ليس مجرد مشهدٍ في السماء ، بل ارتفاعاً في الوعي ، في المسؤولية وفي الفهم الحقيقي لمعنى الوطن . لأن العلم حين يعانق السماء لا يكتمل جماله إلا حين يعانق القلوب .

حفظ الله المملكة الأردنية الهاشمية شعباً وقيادةً وأرضاً وجعل رايته خفاقةً بالعز ، ثابتةً بالكرامة ، لا تنحني إلا لله ولا تسقط ما دام فيها من يفهم معناها ويحفظ قدرها .