العايدي يكتب: الأحزاب الدينية (1): المذاهب الفقهية بين المرجعية والتوظيف السياسي

 

د.محمد صبحي العايدي

ليست الإشكالية في حضور الدين في المجال العام، بل في تحويل المذاهب الفقهية من منظومة منهجية، إلى أداة صراع وخطاب تعبوي، هنا تتشكل العلاقة المعقدة بين الأحزاب الدينية والمذاهب الفقهية، حيث تتأرجح بين الاستفادة من التراث وتفكيكه لإعادة توظيفه سياسياً، فالمذاهب الفقهية نظام معرفي متكامل، نشأ عبر قرون من الاجتهاد، وضبطت علاقتها بالنص عبر أصول متقنة في الاستدلال والترجيح، وهي ليست آراء ومسائل متفرقة، بل مناهج تفكير، هدفها الأساسي حماية الفهم من التسيب في التأويل، وكبح النزعة الفردية، أو الحزبية الضيقة في تفسير الدين.
 

لكن هذه البنية المنهجية لا تتوافق مع أبجديات العمل السياسي، فالحزب كيان حركي يحتاج إلى قابلية للتكيف، وقدرة على التحرك داخل بيئات متغيرة، أما الفقه المذهبي فهو بطبيعته تراكمي محافظ يفرض شروطاً علمية قبل الوصول إلى الحكم، ومن هنا ينشأ التوتر بين منطق « الإدراك المنهجي» ومنطق «الحركة الحزبية»، مما ألجأ الأحزاب الدينية إلى ما يسمى « بالانتقائية الفقهية»، حيث لا تتعامل هذه الأحزاب مع الفقه بوصفه منهجاً متكاملاً، بل كمخزون استراتيجي مفتوح على الأقوال بلا قيود، فيختار منه ما يخدم الحاجة الحزبية بحسب واقعها السياسي، دون الالتزام بالبنية الأصولية التي أنتجت هذه الأقوال، فيتحول الفقه بالنسبة لها إلى مادة قابلة لإعادة التركيب والتكييف حسب مقتضيات الخطاب.
لكن هنا يجب التمييز بدقة بين الاختيار الفقهي المنهجي، والانتقاء الحزبي السياسي، فالفقيه قد يختار من الأقوال ما فيه تيسير على الناس، حيث يقوم الفقه الإسلامي على التعدد في الأقوال، ويتيح للمجتهد الاختيار بينها وفق ضوابط دقيقة، ولكن بشرطين: 
الأول: ألا يخرج هذا الاختيار عن المنهج العلمي العام.
الثاني: أن يحقق هذا الاختيار حاجات الناس عموماً لا جماعة بعينها، عملاً بالقواعد الكلية والمقاصد الشرعية، بحيث لا يتحول الفقه إلى عملية تسوق مفتوحة.
أما انتقاء الحزب الديني، فهو شيء مختلف تماماً، فهو لا ينطلق من الأصول للوصول للحكم الشرعي، بل ينطلق من الحالة السياسية ليجد غطاء شرعياً له، بما يناسب واقع الجماعة بعينها، فالفارق الجوهري: أن الاختيار المذهبي ينظر إلى الصالح العام، وكيف يمكن فهم النص بما يحققه، بينما الانتقاء السياسي، ينظر إلى مصالح الجماعة الضيقة، وكيف يمكن استخدام الفتوى كأداة لخدمة مشروعها وأهدافها الخاصة.
ولذا تسعى الأحزاب الدينية إلى تسطيح الفقه للاستحواذ على عواطف الناس، دون تحليل منهجي معمق للأمور، وهذا نجده ظاهراً جلياً في فقه الشيخ يوسف القرضاوي، الذي حاول ربط الفقه بالواقع في بعض التطبيقات، وفتح المجال لقراءات غير منضبطة عند المتخصصين، حيث أصبح الترجيح الفقهي في بعض الأحيان أقرب إلى التقدير السياسي منه إلى البناء الأصولي المنضبط، وكذا تجد الطريقة نفسها عند سيد سابق في كتابه المشتهر « فقه السنة» الذي قدمه بطريقة انتقائية عابرة للمذاهب، فسهل المعرفة، ولكنه أخرجها من الالتزام بالبنية الأصولية في الوعي العام، مما أضفى على الفقه الطابع الانتقائي، وهو ما يتناسب مع توجهات الأحزاب الدينية، لا الطابع المعرفي التأصيلي في البناء.
هذا الاستخدام المزدوج يكشف أن العلاقة بين الأحزاب الدينية والمذاهب ليست علاقة التزام علمي، بل هي أقرب إلى التوظيف السياسي، فيستدعى الفقه حين تحتاج هذه الأحزاب إلى إضفاء قداسة على أفعالها، أو مناكفة سياسية يشاغب بها على خصومهم، ويستبعد الفقه ويتجاوز حين يعيق حركتهم، وهنا يبدأ الحديث المتكرر من هذه الأحزاب عن « الجمود الفقهي» إذا لم يحقق أغراضهم وبرامجهم السياسية، من أجل التخلص من القيود التي يفرضها الفقه المنهجي.
والسؤال الجوهري هنا: لماذا تعد المذاهب الفقهية المنهجية تحدياً لمشاريع الأحزاب الدينية؟
الجواب: لأن المذاهب الفقهية بوصفها علماً منضبطاً، تعيد المرجعية إلى إطارها المعرفي الأصيل، فوجود المذاهب يعني مرجعية معرفية خارج التنظيم، بينما تسعى الأحزاب الدينية إلى بناء مرجعية تنظيمية خاصة بها، تجعل من نفسها مصدراً للتوجيه والتفسير، وثانياً: أن الانضباطية الفقهية تحد من قدرة الأحزب الدينية على الحركة والمناورة، وهذا لا يتناسب مع مصالحهم السياسية والتنظيمية.
أما ثالثاً: فلأن المذاهب بطبيعتها تقر بالاختلاف، وتعدد مسارات الفهم، مما يربك الخطاب السياسي للأحزاب الدينية، ويضعف القدرة التعبوية لها، حيث غالياً ما تقدم رؤية واحدة، لتوحيد الخطاب تحت قيادتها.