التل يكتب: لا للخبراء الأجانب ما دام في بلدنا خبير وطني: تشريع ضروري وتجارب دولية ناجحة
د.مصطفى التل
في زمن تزداد فيه التحديات التي تواجه الدول النامية تعقيداً، يبرز سؤال جوهري حول مدى شرعية وضرورة الاستعانة بالخبراء الدوليين والأجانب في تقديم الاستشارات للجهات الحكومية، خاصة حين تتحول هذه الاستعانة إلى هروب دائم من مواجهة الرأي العام أو النواب عند كل أزمة.
ما يسمى بـ"الخبراء الدوليين" أصبح درعاً تتحصن خلفه الحكومات كلما انحشرت في الزاوية، متذرعة بعدم وجود كفاءات وطنية قادرة على تقديم الحلول.
هذا الموقف يتطلب وقفة تشريعية جادة تبدأ بسؤالين محوريين:
أولاً : كم دفعت موازنة الدولة بالفعل لهؤلاء الخبراء عبر السنوات الماضية؟!
ثانياً: لماذا لا يتم إقرار قانون ملزم يمنع اللجوء إلى أي خبير دولي أو أجنبي إلا في حالة عدم توفر خبير وطني مؤهل تماماً؟!
لنبدأ من السؤال الأول حول التكاليف، فالحقيقة أن الأرقام الحقيقية لهذه العقود غالباً ما تكون محجوبة جزئياً أو كلياً عن أعين النواب والجمهور، وهي تتناقض مع مبادئ الشفافية المالية التي تتبناها الحكومات في أقوالها.
عقود الخبراء الدوليين وخصوصاً في الملفات الشائكة كتعديل قوانين الضمان الاجتماعي أو ترسيم الحدود كما حدث في اتفاقية أبو خشيبة أو غيرها، تخلق حالة من الإحباط الشعبي عندما يعلم الناس أن أموالاً طائلة تذهب لجهات لا تخضع للمساءلة المحلية، بينما تعاني المؤسسات الوطنية من شح في الموارد.
بعض التقارير الرقابية تشير إلى أن قيمة بعض العقود الفردية قد تصل إلى ملايين الدولارات، وهي مبالغ كان يمكن أن تسهم في تأهيل آلاف الخبراء المحليين وبناء مراكز بحثية وطنية قادرة على تقديم المشورة ذاتها أو حتى أفضل منها، وذلك لو توفرت الإرادة السياسية والتشريعية الكافية.
أما السؤال الثاني والأهم فيتعلق بإمكانية صياغة تشريع يحمي السيادة الوطنية ويمنع هذا التسيب في التعاقد مع الأجانب.
هنا نجد أن تجارب دولية عديدة سبقتنا في هذا المضمار ونجحت نجاحاً باهراً، لعل أبرزها التجربة الماليزية التي عرفت كيف تنتقل من دولة مستوردة للخبرات إلى دولة مصدرة لها.
ففي الثمانينيات وضعت الحكومة الماليزية قاعدة صارمة تقضي بأن أي مشروع حكومي يستعين بخبير أجنبي يجب أن يرافقه خبير محلي يتعلم منه وينقل المعرفة، كما حددت مدة أقصاها ثلاث سنوات لأي عقد مع أجنبي مع اشتراط تدريب ثلاثة بدلاء محليين على الأقل.
النتيجة كانت مذهلة : إذ انخفض الإنفاق على الخبراء الأجانب بنسبة تزيد على سبعين بالمئة خلال عقدين فقط، وتخرج جيل كامل من الخبراء الماليزيين في مجالات كانت تعتبر حكراً على الأجانب.
أما كوريا الجنوبية، فاتبعت نهجاً أكثر صرامة، فأصدرت قانون "تنمية القدرات الوطنية" الذي أعطى الأولوية القصوى للخبراء الكوريين في جميع العقود الحكومية، ومنع الاستعانة بأي أجنبي إلا بعد إعلان الشاغر الوظيفي لمدة تسعين يوماً أمام الكفاءات المحلية، وإثبات عدم وجود مؤهل محلي مناسب من قبل لجنة ثلاثية تضم الحكومة والأكاديميين والنقابات.
النتيجة : كوريا التي كانت تستورد الخبرات في الستينيات، أصبحت اليوم تصدرها للعالم.
التجربة البرازيلية تضيف بُعداً آخر بالغ الأهمية، إذ أقرت البرازيل قانون المناقصات العام الذي يعطي الأفضلية المطلقة للشركات الاستشارية الوطنية والكوادر المحلية حتى لو كان الخبير الأجنبي أقل سعراً، طالما أن الفارق لا يتجاوز خمسة وعشرين بالمئة لصالح الأجنبي.
الأهم أن البرازيل أنشأت هيئة وطنية مستقلة للرقابة على عقود الخبراء، تقوم بتدقيق كل عقد مع خبير أجنبي قبل التوقيع عليه، وليس بعده.
أما الهند فطبقت نموذج "الحظر الانتقائي"، فوضعت قائمة بقطاعات كاملة مثل برمجيات الحاسوب والاستشارات الزراعية والهندسة المدنية الأساسية يمنع فيها الاستعانة بأي خبير أجنبي بشكل مطلق، بينما اشترطت للمجالات الأخرى المسموح فيها توثيق عدم وجود كفاءة محلية ومصادقة لجنة برلمانية على ذلك.
ما يجمع هذه التجارب جميعاً هو إدراكها أن الاعتماد على الخبرات الأجنبية ليس قدراً محتوماً، بل هو خيار سياسي وإداري يمكن تعديله بالقوانين الرادعة وآليات نقل المعرفة الإلزامية.
بناء على هذه التجارب الدولية الرائدة، يمكن تصور تشريع وطني متكامل يتضمن عدة مبادئ أساسية :
أولها مبدأ الأفضلية الوطنية الذي يلزم أي جهة حكومية تريد التعاقد مع خبير أجنبي بأن تعلن حاجتها للاستشارة لمدة لا تقل عن ستين يوماً عبر الوسائل الرسمية، وتشكل لجنة فنية ثلاثية من الحكومة والأكاديميين والمجتمع المدني لتقييم الكفاءات المحلية المتقدمة، وتوثق عدم وجود أي بديل وطني مماثل.
ثانيها : هذه المبادئ هو اشتراط نقل المعرفة إلزامياً في كل عقد مع أجنبي، بحيث يتضمن خطة تفصيلية لتدريب عدد محدد من الكفاءات الوطنية وآلية واضحة للمتابعة، مع عقوبات رادعة في حال الإخلال بهذه البنود.
أما ثالثها : فهو الشفافية المالية الكاملة التي تقضي بنشر جميع عقود الخبراء الأجانب، بما فيها القيم المالية والبنود التفصيلية، في قاعدة بيانات وطنية متاحة للرأي العام وأجهزة الرقابة.
أخرها : لا بد من وضع عقوبات صارمة بحق كل مسؤول يلجأ لخبير أجنبي دون التقيد بهذه الإجراءات، بحيث يعتبر مخالفاً للقانون ويعرض نفسه للمساءلة المالية والإدارية.
إقرار مثل هذا التشريع ليس مجرد إجراء حماية مؤقت أو رد فعل شعبوي، بل هو استثمار استراتيجي في بناء القدرات الوطنية التي تمثل أساس السيادة الحقيقية والتنمية المستدامة.
الدول التي تخلت عن عقلية التبعية ورهنت نفسها لإرادة خبرائها المحليين، كما فعلت ماليزيا وكوريا والبرازيل والهند، لم تحقق فقط توفيراً في النفقات العامة بل صنعت جيلاً من الخبراء القادرين على منافسة العالم وتقديم استشارات تصلح لمجتمعاتها لأنها تفهم تفاصيلها الدقيقة.
خبير وطني يعرف لغة بلده وثقافته ونظامه القانوني وتفاصيل مشاكله اليومية، سيكون حتماً أكثر فاعلية من أي خبير دولي يقدم حلولاً جاهزة طبقها في بلدان أخرى تختلف كلياً في ظروفها.
إذا كانت هناك حاجة حقيقية لخبرة لا تتوفر محلياً في تخصص نادر جداً، فلن يمنع القانون الاستثنائي المشروط ذلك، بل سينظمه ويضمن أن تكون هذه الاستعانة مؤقتة ومحدودة ومصحوبة بنقل حقيقي للمعرفة.
إن من لا يصنع خبراءه بنفسه، يظل رهينة لخبرات غيره، وهذا ما لا يمكن أن تقبله أي دولة تسعى إلى السيادة الكاملة والكرامة الوطنية.