العايدي يكتب: المسجد الأقصى (3): من التعايش إلى التحالف

 

د.محمد صبحي العايدي

إن مدينة القدس لا تجد لها مثيلاً في العالم، من حيث تداخلت الأبعاد الثقافية والدينية والعرقية فيها، حتى غدت مرآة مكثفة للحضارة الإنسانية في أوسع معانيها، ومن هنا اكتسبت القدس مكانة فريدة في وجدان أتباع الديانات، حيث تبوأت احتراما فريدا عندهم، وأصبحت نقطة التقاء روحي، لا ترفض من جاءها زائراً محباً من أي مكان من العالم، ولكنها في الوقت ذاته لا تعرف معنى الاستسلام، بل تنتفض في وجه المحتل، ليس دفاعاً عن حجر، بل عن القدسية والمبادئ والقيم التي تنضوي في جوانح هذا المكان.
 

إن خصوصية القدس لا تكمن في كونها تجسد هوية دينية بعينها، بل في كونها مدينة مقدسة للجميع، فإن كان الفاتيكان يمثل مركز القداسة في الوجدان المسيحي، ومكة المكرمة تمثل قلب العالم الإسلامي، فإن القدس تمثل الفضاء الذي تتقاطع فيه كل هذه المعاني والرسالات السماوية، هنا تكمن خصوصية القدس في كونها مساحة جامعة لا تلغي التعدد، بل تعيد تعريفه بكونه علاقة مشتركة بين الإنسان والمكان، تتجاوز الحدود الضيقة للانتماء.
فالقدس مدينة السلام المشروطة بالعدل، من يدخلها بقيم العدل يكرم فيها، ومن يقصدها بالغطرسة والاستعلاء تسقطه السنن الإلهية، قبل أن يسقطه أهلها، فمشاريع الهيمنة في التاريخ لم تستمر فيها طويلاً، وكأن في هذه المدينة سراً يتجاوز ظاهرها، ولذا ليس غريباً أن تشهد القدس على مر التاريخ صعود قوى متجبرة، ثم أفولها، فكلما أراد الله أن يقصم قوة من الجبارين الظالمين، أتى بهم إلى هذا المكان، ليس لهزيمتهم، بل لإنهاء حضارتهم بالكلية، ولذا فالحديث عن القدس حديث عن سنن ممتدة، والقدس كانت دائماً نقطة اختبار للسلطة والقوة، تعاقبت عليها إمبراطوريات ظالمة كبرى ظنت أنها تحكم قبضتها عليها، لتكتشف بعد حين أنها دخلت لتلقى جزاءها ونهايتها.
إنها «مدينة الله» التي لا يقبل فيها الظلم والغطرسة لأحد، ويبقي أهلها الصادقون من المسلمين والمسيحيين صامدين فيها عبر التاريخ، لا تغيرهم جبروت القوى ولا يخيفهم بطشهم، ومن هنا يغدو النضال في القدس هما مشتركاً، حيث تلتقي الأديان على أصل واحد، وهو العدل، لا فرق بين المسلم والمسيحي فيه، وقد أرسى قواعده مبكراً عمر بن الخطاب، عندما سلم مفاتيح كنيسة القيامة لعائلتين مسلمتين لتكون أمانة الكنسية في رقاب المسلمين، وهي رسالة واضحة أن الاعتداء على المقدسات المسيحية، لا يقل أهمية عن الاعتداء على الأقصى، إننا أمام معجزة إلهية متجددة، في كل يوم تقف أمامها كل قوى التجبر والطغيان عاجرة عن النيل منها أو استسلامها، فأي مدينة في العالم واجهت كل هذا البطش والظلم وبقيت صامدة إلى هذا الوقت.
ومع تراكم التجربة لم يبق هذا التعايش في حدوده التقليدية بل تطور – تحت ضغط التحديات- إلى تحالف قيمي أخلاقي، حيث التقت المبادئ في مواجهة واقع يحاول تفكيكها، فحين يستهدف المسجد الأقصى أو كنيسة القيامة، لا ينظر إلى الاعتداء بوصفه موجهاً لدين أو طائفة، بل بوصفه مساساً بروح المدينة كلها.
وهنا يتجاوز الموقف حدود التعاطف، ليصبح التحاماً، فينتفض المسلم دفاعاً عن الكنيسة، وينتفض المسيحي دفاعاً عن الأقصى، ليس مجاملة، بل إدراكاً أن العدالة جزء لا يتجزأ، وأن حماية الآخر هي في جوهرها حماية للذات.
إن هذا النموذج الإنساني في القدس يقدم للعالم درساً نادراً، أن الأديان حين تلتقي على قيمها الكبرى، لا تنتج صراعاً، بل تصنع مجتمعاً قادراً على العيش المشترك، ورغم ما نشهده اليوم في العالم من اختلالات في ميزان العدالة الدولية، يبقى هذا التحالف القيمي في القدس بقعة الضوء، التي تذكر بالتسامح والأخوة بين أتباع الأديان، ليس شعاراً بل ممارسة تختبر في ساحات المواجهة.
وفي هذا السياق تتجلى فكرة المواطنة، بوصفها الإطار الأوسع، حين تذوب تصنيفات الأقليات أمام مبدأ المساواة، ويصبح الجميع على اختلافهم شركاء في الحقوق والواجبات، تحت مظلة واحدة.
وإذا كانت القدس تقدم هذا النموذج في قلب المعاناة، فإننا نجد صداه واضحاً في الأردن حيث تتجلى مظاهر الأخاء الديني في أعلى مستوياتها في صورة قل نظيرها، امتزجت فيها العادات والتقاليد والثقافة، لتقدم نموذجاً حياً على أن الدين حين يفهم جوهره يسمو بالإنسان، ولا يفرقه.