نادية سعدالدين تكتب: "تفاوض تحت النار".. لبنان و"الكمائن" الدبلوماسية

 

نادية سعدالدين

 تحتاج تهدئة الجبهة اللبنانية – الصهيونية لمتطلبات تفوق إرادة الوسطاء نحو ضمان وقف عدوان الاحتلال والتزامه باتفاق وقف النار الهش وبمخرجات مفاوضات مُرتقبة، والأهم؛ إسقاط أطماعه التوسعية وأهدافه الإستراتيجية في لبنان التي فشل في تحقيقها بفضل الوعي المجتمعي وصمود المقاومة وإدراك القوى السياسية اللبنانية لأبعاد مخططه، مما يشكل سداً منيعاً أمام إنفاذه.
 لا يعدُ الموقف اللبناني من التفاوض جديداً؛ إذ سبق قبوله بمفاوضات غير مباشرة مع الاحتلال لترسيم الحدود البحرية بوساطة أميركية حتى وقعا «اتفاق ترسيم الحدود البحرية» (27/10/2022)، كما أن لجنة «الميكانيزم» الخماسية (تضم الولايات المتحدة الأميركية، لبنان، الاحتلال، فرنسا، وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة «اليونيفيل») أُنشئت كآلية مراقبة لتنفيذ اتفاق الهدنة وتثبيته، عدا تصريح الرئيس اللبناني «جوزيف عون» (مارس الماضي و1/11/2025) باستعداد بلاده دخول مفاوضات لإنهاء الاحتلال باعتباره «خياراً وطنيًا لبنانيًا جامعاً»، لكنه طالب بضغط المجتمع الدولي عليه للانسحاب من الأراضي اللبنانية ووقف الأعمال العدائية وإطلاق سراح الأسرى وتثبيت السيادة على الحدود وضمان سيادة لبنان على كامل أراضيه، والتي تُشكل للبنان الرسميِ متطلباً أساسيًا لتهيئة مناخ تفاوضي متوازن.
 وبذلك، فإن الرئاسة اللبنانية لم ترَ مانعاً من استمرار المسار التفاوضي غير المباشر، طالما ظل محصوراً في الإطار الأمني والعسكري ولا يتعداه لأي شكل من أشكال التطبيع؛ فحديث الرئيس اللبناني عن تجربة ترسيم الحدود البحرية التي أُنجزت برعاية أميركية أممية، باعتبارها نموذجاً لإمكان تحقيق تفاهمات تحفظ السيادة والمصالح الوطنية، تضع المسار التفاوضي ضمن إطار سياسي وقانوني محدود وواضح.
  إلا أن إصرار «نتنياهو» على مفاوضات مباشرة يهدف إلى تعميق الانقسام اللبناني الداخلي، نظير رفض «حزب الله» لمسارها بوصفها «فخاً». كما أن إعلانه الإيعاز بالتفاوض «تلبية لطلبات لبنان المتكررة» يرمي لإظهار الدولة اللبنانية في موقف الضعيف الذي يستجدي الحل. 
   أما وضع شرطي «نزع سلاح حزب الله» و»اتفاق سلام رسمي» قبل وقف العدوان ضد لبنان، يضع المفاوض اللبناني أمام خيارين: إما الاصطدام المباشر مع القوى المحلية أو الظهور بمظهر مُعرقل للسلام أمام الإدارة الأميركية، في ظل مساعي الاحتلال لاستبعاد فرنسا من دور الوساطة بحجة «عدم نزاهتها» سبيلاً لعزل لبنان عن حليف قد يدعم موقفه، وحصر التفاوض في القناة الأميركية فقط، مما يقلل من خيارات المناورة اللبنانية ويجعل الضغوط أحادية الجانب.
 ويسعى الاحتلال من المسار التفاوضي إلى ربط انسحابه من الجنوب اللبناني بترتيبات أمنية إضافية أوسع تحقق أهدافه في لبنان، وضمانات دولية متقدمة، وبنزع سلاح «حزب الله» وضبط نشاطه، وربما تعديل دور «اليونيفيل» بما ينسجم مع مصالحه الاستعمارية بالمنطقة، مما يجعل الانسحاب مشروطًا وليس مرتبطًا بالاتفاق الأساسي، سبيلاً «لتطبيع» يُدرك استحالة تحقيقه.
 وتزداد الإشكالية عمقاً في تجاوز الضغوط الدولية ناصية دعوة لبنان لمفاوضات مباشرة مع الاحتلال صوب خطابٍ أميركي يربط المسار التفاوضي بمطلبي نزع سلاح «حزب الله» وتنفيذ القرار 1701 (الصادر عن مجلس الأمن الدولي في 11/8/2006) لحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية اللبنانية، في إطار مساعي إدراج لبنان ضمن ترتيبات الأمن والتسوية السلمية مع الاحتلال والتي تدفع الإدارة الأميركية بها في المنطقة.
  غير أن لبنان الرسمي يدرك جيداً مخططَ الاحتلال من وراء تمسُكه بشرط نزع سلاح المقاومة اللبنانية لإتمام انسحابه كذريعة لأهدافه الإستراتيجية في لبنان، مما يجعل مهمته صعبة في إدارة التوازنات الدقيقة بين الضغوط الدولية ومحاولة تثبيت الاستقرار بالجنوب اللبناني وتجنب أي مواجهة مع «حزب الله» قد تجر تداعيات قاتمة، إزاء رفض الحزب تسليم السلاح طالما بقي الاحتلال جاثماً بالأراضي اللبنانية، ومطالبته بالانسحاب بلا شروط.
 في حين أن قدرة الدولة اللبنانية على فرض الموقف المُطالب بانسحاب الاحتلال الكامل غير المشروط وباحترام القرار 1701 تبقى محكومة بتوازنات القوة الداخلية والتجاذبات بين أطراف المعادلة السياسية اللبنانية وإستراتيجية دفاعية وطنية شاملة، وبموازين القوى الدولية والمشهد الإقليمي المضطرب.
إن تزامن الحديث عن مسار تفاوضي مع توغل جيش الاحتلال في عمق جنوب لبنان وارتقاء المزيد من الشهداء والجرحى اللبنانيين، في محاولة لانتزاع تنازلات سياسية لبنانية فورية، لا يسمح بايجاد بيئة تفاوضية جادة، ولكنه يعكس أطماع الساسة الصهاينة في لبنان التي يسعون لتحقيقها عبر النافذة التفاوضية، أو هكذا يتخيلون.