النائب نور أبو غوش تكتب: الضمان الاجتماعي: ملفٌ لم ينتهِ، بل ابتدأ
النائب نور أبو غوش
في هذا الوطن عقلاء، يدركون أنّ الملفات الصعبة تحتاج حكمةً وسياسةً كما تحتاج دقةً واقتصاداً.. هذا تعريف "رجال الدولة" وهكذا يكونون؛ حرصاً على مؤسسات هذا الوطن واستدامتها، وحفظاً لحقوق الناس ومكتسباتهم، وإيماناً بأن مرحلة التحديث تحتاجنا جميعاً؛ فالقوانين التي تمس حياة الناس بشكل مباشر تحتاج دراسةً سياسيةً وفكريةً لطريقة طرحها وتوقيتها وأبعادها، كما أن المحاسبة على الأخطاء في إدارتها وتطبيقها جزء أساسي من بناء الثقة بها، ومشكلة سنوات لم يكُ من الممكن تداركها بشهر.
لم ينتهِ ملف الضمان.. بل ابتدأ.
فمؤسسة الضمان الاجتماعي أمانة تتجاوز حدود النصوص القانونية، وقضية تمس العقد الاجتماعي ومستقبل الأمان الاقتصادي للأجيال القادمة.
تشير الدراسة الاكتوارية الأخيرة إلى تحديات ديموغرافية واقتصادية قادمة، حيث سترتفع تدريجياً نسبة كبار السن مقابل نسبة العاملين المشتركين في النظام، وهو تحدٍ تواجهه معظم أنظمة الضمان في عالمٍ يتغير اقتصادياً وبنيوياً بوتيرة متسارعة، ما يجعل استدامة الضمان مرتبطة بعوامل أوسع من مجرد تعديل شروط التقاعد أو إدخال بعض التغييرات التشريعية؛ فالضمان الاجتماعي في جوهره يقوم على سوق العمل؛ أي أنه كلما توسعت قاعدة العاملين المشتركين تعززت استدامته، وكلما ارتفعت البطالة أو توسع الاقتصاد غير المنظم ازدادت الضغوط المستقبلية على الصندوق؛ ومن هنا فإن تعديل القانون خطوة لا يمكن أن تكون الحل الوحيد ما لم تترافق مع إصلاحات أوسع في بيئة العمل والاقتصاد.
يعبرُ الأردن اليوم في مرحلة التحديث الاقتصادي، والذي يستوجبُ تحديث الهيكلية التي تُبنى عليها مؤسسة الضمان من أجل إصلاح حقيقي للضمان يسير في مسارات متوازية تبدأ بتحديث بيئة العمل في الأردن بما يشجع الاقتصاد ويحد من التهرب التأميني، وتطوير أدوات الشمول التأميني للعاملين في القطاعات المستجدة؛ وذلك أن العالم يشهد تحولات عميقة في طبيعة العمل؛ كالاقتصاد الرقمي، والعمل عبر المنصات، والعمل الحر، والوظائف المرنة التي أصبحت جزءاً أساسياً من الاقتصاد الحديث، بينما صُممت أنظمة الضمان في الأصل في زمن الوظيفة التقليدية طويلة الأمد، إضافة إلى تطوير إدارة استثمارات الصندوق وتنويعها بما يحقق عوائد مستدامة، وتعزيز الشفافية والحوكمة داخل المؤسسة بما يعزز ثقة المواطنين بالنظام، وغير ذلك من القضايا التي تحتاج إلى نقاشات وحسابات ودراسات جادة ومكثّفة تجعل من إصلاح الضمان مشروعاً وطنياً تشارك فيه الحكومة ومجلس النواب والنقابات المهنية والعمالية والقطاع الخاص والجامعات والخبراء والمختصون؛ وهذا ما يحتاج تظافراً للجهود جميعها؛ إذ إننا نتحدث عن مستقبل العمل في الأردن وعن الأمان الاقتصادي للأجيال القادمة.
يُشكرُ العقلاء الذين تريّثوا عندما كان التريّث حلٌ رئيسي لا مجال للمجازفة بغيره، مدركين أنّ الضمان الاجتماعي أحد أعمدة الاستقرار الوطني، وحمايته لا تكون بالتعديلات التشريعية وحدها، لكن بتحديث بيئة العمل، وتمكين الشباب من فرص حقيقية في الاقتصاد، وحوكمة المؤسسة والبحث الجاد في مواطن ضعف وتراجع استثماراتها، وتقديم أرقام تتناسب وطبيعة المجتمع الأردني ديموغرافياً وعملياً، وبناء ثقة مجتمعية حقيقية في هذه المؤسسة التي تمس حياة كل بيت أردني، وهذه مسؤوليتنا الوطنية في المرحلة القادمة من مواقعنا جميعها.