الخيطان يكتب: إيران.. الخاسر الرابح
فهد الخيطان
تكبدت إيران خسائر فادحة في حرب الأربعين يوما. صف عريض من قادتها على رأسهم المرشد، مصانع وبنى تحتية عسكرية ومدنية تم تدميرها، وأكثر من 3000 قتيل. لكن واشنطن وتل أبيب لم تذهبا للحرب لأجل ذلك، إنما لإسقاط النظام وإخضاع البلد.
وحدث أسوأ من ذلك أيضا للحليفين، إيران أظهرت أنها قادرة على تكبيدهما خسائر نوعية، خلافا لما كان الحال في حرب الـ12 يوما.
عمليا الحرب انتهت في الأسبوع الأول، أو بدقة أكثر بعد الضربة الأولى، التي قتلت المرشد ومن معه من قادة الحرس الثوري. كان الاعتقاد أن النظام سينهار بعد هذه الضربة، أو أن ثورة شعبية ستندلع، لكن شيئا من ذلك لم يحدث. كل جولات القصف اليومي بعد ذلك كانت محاولة لمضاعفة خسائر إيران لحد يجعل من الصعب عليها النهوض مجددا ببرنامجيها النووي والصاروخي. والأكيد أن هذا ما تحقق على نحو ملموس ولكن لسنوات قليلة وفق تصريحات مسؤولين أميركيين.
مقابل هذه الخسائر التي قد يكون لها تداعيات كبيرة على الداخل الإيراني، تكبد العالم كلفا اقتصادية باهظة. وسجلت دول الخليج العربي خسائر غير مسبوقة جراء الاعتداءات الإيرانية على منشآتها النفطية، ستترك أثارا طويلة على اقتصادياتها والعالم.
الأزمة الاقتصادية وفق تقديرات صندوق النقد الدولي ستستمر لسنوات، جراء ارتفاع أسعار الطاقة، والنمو الاقتصادي في أجزاء واسعة من العالم سيتباطأ.
أمسكت طهران بمضيق هرمز، وجعلت منه ورقة تفاوضية بعد أن فشلت كل محاولات واشنطن لتحرير الملاحة البحرية. بعد وقف إطلاق النار سمحت السلطات الإيرانية لأعداد محدودة من السفن التجارية وبواخر النفط بالعبور.
وفي هذه الحرب استعادت طهران أيضا زخم الأذرع والساحات. حزب الله في لبنان نجح باستعادة دوره بعد أشهر من الإذلال اليومي على يد إسرائيل. وبدا أن حرب 2024 لم تكسر شوكته وقدراته الصاروخية التي تمكن من تجديدها بالرغم من خسارة الممر السوري، والضغط الداخلي والقصف الإسرائيلي المتواصل.
عمليا استعادت طهران الورقة اللبنانية من جديد، ولو كان على إسرائيل أن تفاوض طرفا حول سلاح حزب الله، فليس هناك من مفاوض يملك تأثيرا غير الحرس الثوري في طهران.
العراق تأكد تماما أنه في القبضة الإيرانية. الضربات التي تلقاها الحشد الشعبي لم تمس بنيته التنظيمية، وإنما مقراته فقط. المليشيات الإيرانية في العراق عادت للظهور بقوة أيضا.
لا يمكن لوفد التفاوض الأميركي في إسلام أباد أن يتجاهل أوراق طهران هذه وهو يفاوض من أجل اتفاق سلام.
ولذلك ليس من خيارات أمام واشنطن سوى المفاوضات، التي كان يمكن استكمالها بدلا من مجاراة نتنياهو في مخططاته، والذهاب لخيار حرب كارثية، لم تأت بجديد. أو لنكن أكثر موضوعية، حرب جاءت بإيران أكثر تشددا إلى طاولة المفاوضات، وبأوراق قوة إضافية لم تكن معها قبل ذلك.
لقد كان التهديد بالحرب سابقا سببا كافيا لإجبار طهران على تبني مقاربات واقعية في المفاوضات. الآن وبعد أن حل بها السيناريو الأسوأ، ما الذي تخشاه إن عادت واشنطن وتل أبيب للحرب مرة ثالثة؟