المنسي يكتب: قانون الضمان.. التأني أجدى

 

جهاد المنسي


مشروع قانون الضمان الاجتماعي ليس مشروع قانون عادي يمكن تمريره تحت القبة بتعديلات محدودة أو نقاشات تقليدية، القانون المطروح يمس حياة مئات آلاف الأردنيين، ويقترب من واحدة من أكثر القضايا حساسية: الأمان الاجتماعي للمواطن، لذلك، فإن أي مقاربة سطحية أو مستعجلة في التعامل مع مشروع قانون الضمان الاجتماعي لن تكون مجرد خطأ تشريعي عابر، بل خطوة قد تُفقد المؤسسات الرسمية جزءاً مهماً من رصيدها في ثقة الشارع، وهو رصيد تآكل أصلاً تحت ضغط الظروف الاقتصادية والمعيشية.
 

القصة لا تقف عند حدود تحسين الصياغة أو تجميل بعض المواد، بل تتجاوز ذلك إلى إعادة التفكير في الفلسفة التي يقوم عليها المشروع برمّته، فالقانون، في جوهره، يجب أن ينطلق من مبدأ واضح لا لبس فيه: حماية الإنسان أولاً، وضمان الاستدامة ثانياً، لا العكس، وعندما يشعر المواطن أن هذه المعادلة قد انقلبت، وأن العبء يُنقل تدريجياً إليه تحت عناوين إصلاحية، تبدأ فجوة الثقة بالاتساع.
لهذا كله فإن التأني في إقرار مشروع القانون أمر إيجابي وما اتخذه مجلس النواب ولجنة العمل النيابية أمس في هذا الخصوص أمر محمود.  ويسجل للمجلس. في هذا السياق، فإن بعض المقترحات التي قدمت أثناء الحوار يجب أن تبقى وخاصة التي طالبت بعدم رفع سن التقاعد الوجوبي أو المبكر للمرأة إذ إن هذا المطلب لا يُعد مطلباً فئوياً ضيقاً، بل ضرورة اجتماعية واقتصادية، في ظل واقع سوق العمل الذي لا يوفر دائماً بيئة مستقرة أو عادلة للنساء، سواء من حيث فرص الاستمرار أو الأجور أو الحماية، والحديث عن إمكانية استثناء المشتركين اختيارياً من بعض التعديلات يعكس فهماً عميقاً لطبيعة هذه الفئة، أما مسألة سن التقاعد، فهي واحدة من أكثر القضايا حساسية وتعقيداً، وتحتاج إلى مقاربة واقعية لا نظرية، فرفع السن بشكل مباشر هو حل مالي على الورق، لكنه في الواقع قد يزيد من تعقيدات سوق العمل، خصوصاً في ظل محدودية الفرص للفئات العمرية المتقدمة، وارتفاع معدلات البطالة، والمطلوب هنا هو مواءمة التشريع مع الواقع الاقتصادي والاجتماعي، لا فرض معادلات جاهزة قد لا تجد طريقها إلى التطبيق العملي.
وفي جانب لا يقل أهمية، فإن تخفيض الاشتراكات المطلوبة للتقاعد المبكر يشكل مدخلاً أساسياً لتحقيق التوازن، فالكثير من العاملين، خاصة في المهن المرهقة أو غير المستقرة، لا يملكون ترف الانتظار حتى سن متقدمة، وإذا أُغلقت أمامهم نافذة التقاعد المبكر أو أصبحت أكثر كلفة، فإن ذلك سيدفعهم نحو خيارات أكثر هشاشة، سواء داخل سوق العمل أو خارجه، وهو ما يتعارض مع الهدف الأساسي للضمان.
وفي هذا الإطار كله فإن إرجاء مناقشة المشروع إلى الدورة المقبلة؟ والتأني  في قضية بهذا الحجم لا يُعد تراجعاً أو ضعفاً، بل يعكس نضجاً سياسياً ومسؤولية تشريعية، فمنح مزيد من الوقت للحوار المجتمعي، والاستماع لمختلف الأطراف، وإعادة تقييم الأثر الاقتصادي والاجتماعي للتعديلات، الخيار الأكثر حكمة، خصوصاً إذا كان الهدف الوصول إلى قانون توافقي يحظى بثقة أوسع واستقرار أطول.
في المقابل، فالقوانين التي لا يشعر المواطن بأنها عادلة تتحول سريعاً إلى عبء سياسي، وتفتح الباب أمام حالة من التململ يصعب احتواؤها لاحقاً.
في النهاية، يبقى مشروع قانون الضمان الاجتماعي ليس مجرد اختبار لقدرة الحكومة على الإصلاح، بل هو امتحان حقيقي لمدى نضج الحياة السياسية في التعامل مع قضايا تمس الناس مباشرة، وهذا الاختبار، يمكن القول إن مجلس النواب من خلال لجنة العمل قد نجح فيه وأيضا الحكومة.