ناصر الدين يكتب: الحقيقة الثابتة
يعقوب ناصر الدين
وسط هذه الفوضى العارمة والدمار الكبير يكمن التحدي بالنسبة لبلدنا الأردن في تحديد موقعه وتداعيات الحرب القائمة وأثرها المباشر عليه، وعلى أولوياته الداخلية والخارجية على حد سواء، وهي عملية معقدة جدا كونه ليس طرفا مباشرا في هذا الصراع من حيث خلفياته وأسبابه وأجنداته الظاهرة والخفية، وهنا لا بد أن تكون الحسابات دقيقة للغاية من أجل ضمان الحفاظ على الدولة وأمنها واستقرارها وسلامة شعبها وأراضيها، كذلك قدرتها على مواصلة مسيرتها بالعزيمة ذاتها مهما كانت التحديات والعقبات.
بهذا القدر من الثقة والثبات يقولها جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين من قصر الحسينية لعدد من رؤساء الوزراء والمسؤولين السابقين (الأردن بخير، وسيبقى بخير) ذلك يعني أن فهمه لحقيقة ما يجري، والمدى الذي يمكن أن تذهب إليه الأمور واضحة بما فيه الكفاية، وهذه الحقيقة الثابتة في العقل الإستراتيجي والخبرة والحكمة التي يتميز بها جلالة الملك يمكن القياس عليها عند الحديث عن موقع الأردن الإقليمي والدولي مهما كانت نتائج هذه الحرب سواء أستؤنفت أو أفضت إلى تفاهمات بين ايران وأميركا وإسرائيل.
بالرغم من الغموض الذي يلف أجواء مرحلة مفاوضات إسلام أباد، واللقاء التمهيدي الذي تتبناه الخارجية الأميركية غدا الثلاثاء لعقد مفاوضات سلام بين لبنان وإسرائيل فإن جلالة الملك قد لفت الانتباه إلى المعادلة التي تهم الأردن بشكل مباشر، طرفها الأول إيران التي شنت اعتداءات غير مبررة على الأردن، وطرفها الثاني إسرائيل التي تستغل الظروف لتوسيع الصراع في المنطقة، وشطب حقوق الشعب الفلسطيني وجعلها طي النسيان.
في المقابل يحدد جلالة الملك رسالة وموقف الأردن من هذه الناحية في نقطتين: الأولى تتعلق بجهوده المستمرة لمنع توسيع الحرب، والثانية التركيز على التطورات في الضفة الغربية والقدس وغزة، حيث يواصل المحتل الإسرائيلي مشاريع الضم والاستيطان والتهويد، وتقويض السلطة الوطنية الفلسطينية، ولا ننسى هنا أن جلالة الملك سبق وأن قال بشكل صارم وأمام العالم كله أنه من دون الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وفي مقدمتها حقة بدولته المستقلة على أرضه بعاصمتها القدس الشريف فلن تعرف هذه المنطقة الاستقرار أبدا وستظل تهديدا قائما للأمن والسلم الإقليمي والدولي، وأن مشاريع الهيمنة واستعراض القوة نهايتها الدمار والفشل، وأن حل الصراعات وفقا للقانون الدولي والتفاوض السلمي على مبدأ الأمن والتعاون المتكافئ سيظل منطلقا لتحقيق مصالح جميع الأطراف.
قد تصم الأطراف جميعها الآذان ولا تسمع صوت العقل، ولكن الأردن لا يملك سوى التمسك بموقفه المبدأي والأخلاقي والسياسي بشأن تلك المعادلة، وبالطبع فإن موقفه تجاه نفسه يظل حجر الأساس الذي يبني عليه قدرته لحماية حدوده ومكتسبات وطموحات شعبه من خلال وحدته الوطنية والتفافه حول قائده وجيشه وأجهزته الأمنية، وتلك الحقيقة تمتد روحها إلى جميع مؤسسات الدولة العامة والخاصة ضمن رؤية واضحة موحدة لتكون عنصرا فاعلا من عناصر الحفاظ على المصالح العليا من ناحية، وقوة التأثير في محيطها الإقليمي والعالمي من ناحية أخرى.
الأردن يتحرك في مساحة الممكن، لكن المتاح بالنسبة له ليس ما تمنحه الظروف كأمر واقع ولكنه المجال الذي يسعى إليه بالمبادرة والجد والمعاناة ليكون متاحا، وهو اليوم وسط هذا القدر من المخاطر والتهديدات يعمل على معالجة انعكاسات الحرب وآثارها على وضعه الاقتصادي ويعد نفسه للتعامل مع جميع الاحتمالات بنفس المستوى من الثقة بالنفس والثبات.