العثامنة يكتب: الإنهاك وليس الانهيار
مالك العثامنة
ثمة سؤال يغيب عن معظم التحليلات التي تتناول ما يجري بين واشنطن وطهران: من الذي يدير فعليا زمن الأزمة؟ ومن يقع ضحية تلك الآجال الزمنية؟ فالمعادلة التي يجري تسويقها تقول إن إيران تراهن على الإطالة، وأن واشنطن تسابق الساعة نحو إنجاز، لكن هذه القراءة تفترض درجة عالية من العقلانية لدى الطرفين، وهي فرضية فاخرة نادرا ما يتحملها الواقع حين تدخل الدول في لحظات اختبار وجودي.
ما يجري اليوم لا يشبه حربا تقليدية، بل أقرب إلى عملية طويلة النفس، تتحرك وفق تدرج محسوب يبدأ باستهداف القدرات العسكرية، ثم ينتقل إلى البنية الصناعية والاقتصادية، قبل أن يصل إلى الداخل الاجتماعي للدولة نفسها، وهذا التدرج لا يعكس فقط برودة في التخطيط، بل يعكس اعترافا ضمنيا بأن تغيير السلوك الإيراني فشل، وأن الهدف لم يعد تعديل القرار، بل إعادة تشكيل البيئة التي يصنع فيها القرار.
هنا تحديدا تتغير طبيعة الحرب، فهي لم تعد معركة لإسقاط نظام بضربة واحدة، بل محاولة لفرض واقع داخلي ضاغط يجعل إدارة الدولة أكثر صعوبة، ويستنزف قدرتها على إعادة إنتاج قوتها، وهذا النوع من الحروب لا يتحرك بسرعة، بل يتقدم ببطء مقصود، لأن الهدف ليس الانتصار العسكري، بل إنهاك البنية التي يستند إليها النظام في الاستمرار.
لكن ما يغيب عن كثير من التحليلات هو أن الضغط الداخلي ليس معادلة رياضية يمكن التنبؤ بنتيجتها، فالشارع الإيراني الذي تتراكم عليه الأزمات الاقتصادية والاجتماعية منذ سنوات، لا يتحرك دائما بوصفه وقودا للتغيير، بل قد يتحول في لحظة معينة إلى عامل تماسك حين يشعر بأن الضغط يأتي من الخارج، وهذه معادلة يعرفها التاريخ الإيراني جيدا، وقد استخدمها النظام مرارا لتحويل الأزمات إلى لحظات تعبئة وطنية.
أما ورقة مضيق هرمز، وهي التي يتم تقديمها دائما كسلاح استراتيجي بيد طهران، فهي تحمل في داخلها مفارقة صارخة، فكلما لوحت إيران بتعطيل الملاحة، كلما دفعت العالم إلى البحث عن ترتيبات أمنية جماعية لحماية هذا الشريان الحيوي، ما يعني أن التهديد نفسه يتحول إلى سبب لبناء تحالفات دولية لم تكن واشنطن قادرة على فرضها منفردة.
بالنسبة للأردن، فإن أخطر ما في هذه الحرب ليس اتساعها العسكري، بل طولها الزمني، لأن الحروب الطويلة لا تختبر الجيوش فقط، بل تختبر قدرة الدول على إدارة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية في آن واحد، والأردن الذي يقف على حافة الصراع، لا يملك رفاهية الانجرار إلى معادلات الآخرين، لكنه في الوقت ذاته لا يستطيع أن يتجاهل أن أي اضطراب في الطاقة أو التجارة أو الاستقرار الإقليمي سينعكس مباشرة على الداخل، وهذا يعني أن إدارة الزمن هنا ليست مهمة عسكرية أو دبلوماسية فقط، بل مهمة دولة كاملة تحاول أن تحمي توازنها الداخلي وهي تراقب عاصفة تدور على مقربة منها.
الحرب هنا ليست لإسقاط النظام الإيراني، بل لإجباره على التحول تحت ثقل واقع داخلي يجري تشكيله تدريجيا، واقع يقوم على استنزاف الموارد، وتعطيل القدرة على الحركة، وإضعاف تماسك الدولة من الداخل، من دون الوصول إلى لحظة الانهيار الكامل التي لا يرغب بها أحد.
السؤال الحقيقي إذن: ليس متى تنتهي هذه الحرب؟ بل أي إيران ستبقى بعدها؟ هل ستنتهي بدولة أكثر انغلاقا وصلابة، أم دولة أكثر إنهاكا واستعدادا للتكيف؟ وهو سؤال، بالمناسبة، لا تملك واشنطن إجابة واضحة عنه هي الأخرى.