الدعجة يكتب: القدس خط أحمر.. وحدة وطنية أردنية خلف القيادة الهاشمية
حسن الدعجة
تشكل المسيرات الشعبية التي شهدتها العاصمة الأردنية عمّان مؤخرًا تعبيرًا عميقًا عن الوعي الجمعي الوطني، وتجسيدًا حيّا لوحدة الموقف الأردني تجاه القضية الفلسطينية، وفي مقدمتها مدينة القدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية. فقد خرجت الحشود من مختلف الأطياف السياسية والاجتماعية، إلى جانب الأحزاب السياسية والنقابات، عقب صلاة الجمعة من أمام المسجد الحسيني، في مشهد وطني جامع يعكس مستوى عاليا من التلاحم بين الشعب والقيادة. ولم تقتصر المشاركة على الحضور الرمزي، بل جاءت لتعبر عن موقف سياسي وشعبي موحّد يرفض أيّ مساس بالمقدسات أو بالحقوق الفلسطينية. كما أكدت هذه المسيرات أن الدفاع عن القدس ليس مجرد موقف ظرفي، بل هو التزام راسخ ومتجذر في الوجدان الأردني، يعكس ثوابت الدولة ويعزز من قوة موقفها السياسي والدبلوماسي على المستويين الإقليمي والدولي.
تأتي هذه المسيرات في سياق دعم واضح وثابت لمواقف جلالة الملك عبدالله الثاني، الذي كرّس جهوده السياسية والدبلوماسية للدفاع عن المقدسات، والحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في المدينة المقدسة. وقد عبّر المشاركون عن اعتزازهم العميق بالدور الذي يقوم به الملك، مؤكدين أن الأردن بقيادته الهاشمية يمثل خط الدفاع الأول عن المسجد الأقصى، وأن الوصاية الهاشمية ليست مجرد عنوان سياسي، بل التزام تاريخي متجذر في عمق الشرعية الدينية والسياسية. كما شددوا على أن هذا الدور يعزز من مكانة الأردن إقليميًا ودوليًا، ويمنحه قوة تأثير في حماية المقدسات ودعم صمود الشعب الفلسطيني في مواجهة التحديات الراهنة.
إن الالتفاف الشعبي حول القيادة الهاشمية في هذه اللحظة الحساسة يحمل دلالات إستراتيجية تتجاوز البعد الداخلي، ليعكس رسالة إقليمية ودولية مفادها أن الأردن يقف موحدًا في مواجهة أي محاولات لتغيير هوية القدس أو فرض واقع جديد فيها. فالشعارات التي رُفعت، مثل "القدس خط أحمر"، لم تكن مجرد كلمات عابرة، بل تعبيرًا صريحًا عن وعي سياسي راسخ وإجماع وطني على ثوابت الدولة الأردنية. كما تعكس هذه الشعارات رفضًا قاطعًا لأي مساومة على الحقوق الفلسطينية، وتمسكًا بالدور التاريخي للأردن في حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية. ويؤكد هذا الالتفاف أن الجبهة الداخلية الأردنية متماسكة وقادرة على دعم القرار السياسي، بما يعزز من قوة الموقف الأردني في المحافل الإقليمية والدولية.
كما أن هذه المسيرات تؤكد أن الموقف الأردني لا ينفصل عن نبض الشارع، بل يتغذى منه ويستند إليه، ما يعزز من قوة التحرك السياسي والدبلوماسي الذي يقوده الأردن على الساحة الدولية. فحين تتكامل الإرادة الشعبية مع القرار السياسي، تصبح الرسالة أكثر تأثيرًا ووضوحًا، خاصة في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه القضية الفلسطينية، ومحاولات فرض وقائع جديدة على الأرض في القدس. ويعكس هذا التفاعل الحيوي بين الدولة والمجتمع مستوى متقدمًا من الوعي السياسي، حيث يدرك المواطن الأردني أهمية دوره في دعم الثوابت الوطنية وترسيخها. كما يمنح هذا الانسجام صانع القرار الأردني قوة إضافية في المحافل الدولية، إذ يتحدث باسم موقف موحد يستند إلى شرعية شعبية واسعة. وفي هذا السياق، تتحول المسيرات إلى أداة ضغط معنوية وسياسية، تعزز من حضور الأردن كدولة محورية تدافع عن الحقوق العربية، وتواجه محاولات تقويض الهوية التاريخية والدينية للمدينة المقدسة بثبات واتزان.
وتبرز الوصاية الهاشمية كأحد أهم مرتكزات هذا الموقف، حيث ينظر إليها الأردنيون باعتبارها مسؤولية تاريخية وأمانة دينية لا يمكن التفريط بها. وقد أكد المشاركون أن هذه الوصاية تمثل صمام أمان لحماية المقدسات من الانتهاكات المتكررة، وأن الأردن سيبقى ملتزمًا بالدفاع عنها بكل الوسائل السياسية والدبلوماسية الممكنة. وفي هذا السياق، فإن الجهود التي بذلها الملك في إعادة فتح المسجد الأقصى أمام المصلين بعد فترة من الإغلاق تعكس فاعلية هذا الدور وقدرته على تحقيق نتائج ملموسة.
ومن زاوية أوسع، تعكس هذه المسيرات حالة من الوعي السياسي المتقدم لدى المجتمع الأردني، الذي يدرك أبعاد الصراع على القدس، ليس فقط كقضية دينية، بل كقضية سيادة وهوية وحقوق تاريخية. كما تعكس هذه الحشود إدراكًا عميقًا لأهمية الحفاظ على الاستقرار الداخلي، وتعزيز الجبهة الوطنية في مواجهة التحديات الإقليمية، وهو ما يتجلى في الخطاب الموحد الذي يجمع بين مختلف مكونات المجتمع.
ولا يمكن فصل هذه التحركات الشعبية عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث تشهد المنطقة تحولات متسارعة وتحديات متزايدة تتطلب مواقف واضحة وحاسمة. وفي هذا الإطار، يبرز الدور الأردني كعامل توازن واستقرار، يستند إلى شرعية تاريخية ومصداقية سياسية متراكمة. كما يعزز هذا الدور من مكانة الأردن كطرف فاعل ومؤثر في الدفاع عن الحقوق العربية والإسلامية، خاصة في ما يتعلق بمدينة القدس ومقدساتها، ويؤكد حضوره الدبلوماسي كصوت عقلاني يسعى إلى التهدئة وحماية الثوابت.
في المحصلة، تمثل المسيرات الشعبية في عمّان نموذجًا حيًا للوحدة الوطنية، وتجسيدًا لعمق العلاقة بين الشعب وقيادته. فهي ليست مجرد تعبير احتجاجي، بل رسالة إستراتيجية تؤكد أن الأردن، قيادة وشعبًا، ماضٍ في الدفاع عن القدس ومقدساتها، وأن الوصاية الهاشمية ستبقى خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه أو المساس به تحت أي ظرف. وفي ظل هذا التلاحم الوطني، يواصل الأردن أداء دوره التاريخي بثبات وثقة، مستندًا إلى إرادة شعبية صلبة، ورؤية قيادية حكيمة تدرك طبيعة التحديات وتعقيداتها، وتمتلك القدرة على التعامل معها بحنكة سياسية ومسؤولية عالية.