*الطويقات يكتب....من نافذة طائرة… حين تتكلّم الخريطة*

 

د أجمل الطويقات

في رحلتي الأخيرة، وأنا عائد على متن طائرة الملكيّة الأردنيّة من القاهرة إلى عمّان، لم أكن أتابع مجرّد خطّ جوّيّ على شاشة صغيرة أمامي… بل كنت أراقب شيئًا يُشبه القلب وهو يرسم، نبضة بعد نبضة، فوق زرقة لا تعترف بالحدود.

كانت الخريطة الجوّيّة تُضيء تباعًا: العقبة، تبوك، غزة، الخليل، القدس، ثم إربد، وبيروت، ودمشق، وحمص، وصولًا إلى حلب… مدن ليست مجرد نقاط على خريطة، بل ملامح وجه واحد طالما أرهقه التمزّق، وتعب من النظر في مرآة لا تعكسه كاملًا.

ولا أدري… أكانت الطائرة تحلّق في السماء، أم أنّني أنا من كنت أهبط فجأة إلى عمق المعنى؟

شيء ما في تلك اللحظة جعلني أرى الخريطة كما لو أنها تُرسم للمرة الأولى؛ من غير حواجز، ولا أختام، ولا أسئلة على المعابر… فقط امتداد طبيعي لنبض واحد، إذا اضطرب في بغداد شعرت به القاهرة، وإذا تألم في دمشق وجدت صداه في عمّان.

تذكرت قوله تعالى: (وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ) فانساب الخيال بي إلى ما هو أبعد من الواقع القريب… إلى زمن لا تكون فيه هذه المدن جزرًا معزولة، بل جسدًا واحدًا يعرف طريقه إلى الشفاء.

وسألت نفسي في سرّي: كيف يمكن لجسد بهذا الامتداد، من سواحل المتوسّط إلى تخوم الصّحراء، أن يقنع نفسه بأنّه مُجزَّأ؟ وكيف صدّقنا طويلًا أنَّ الخطوط المرسومة على الورق أقوى من خطوط الدّم الّتي تسري فينا؟

نعم… هذا الجسد العربي لم يكن يومًا ضعيفًا، لكنه أصيب بعارض طال أمده، جرثومة خبيثة تنخر وحدته، وتُشوّه ملامحه… كأثْلول عنيد في وجه جميل.

ومع ذلك، فإنّ في هذا الجسد ذاكرة لا تموت، وحنينًا خفيًّا إلى صورته الأولى، قبل أن تُثقله الخرائط، وترهقه التّسميات، وتُربكه الحسابات.

ما نراه اليوم من تباعد بين حواضرنا - من بغداد إلى دمشق، ومن عمّان إلى القاهرة—لا يبدو لي إلا حالة غباريّة، عاصفة عابرة ستتبدّد يومًا، لا لأنّ الرّيح تغيّرت، بل لأنّنا قرّرنا أخيرًا أن نفتح النوافذ.

وسيأتي يوم—وأكاد أراه من نافذة تلك الطائرة—ننتقل فيه من شرق الأردنّ إلى غربه، من القدس،  نصعد شمالًا نحو حلب، مرورًا بـحمص ودمشق، دون أن يسألنا أحد: من أنتم؟ لأنّ الجواب سيكون حاضرًا في ملامحنا قبل ألسنتنا.

أدرك، كما يدرك غيري، حجم الإحباط الذي يثقل الصّدور… لكنّ المفارقة التي لا تخلو من سخرية مُرّة؛ إذ إنّ بعض من ظنّوا أنّهم يحسنون تمزيق هذه الأمّة، قد ساهموا—دون أن يشعروا—في إعادة تعريفها.

لقد سقطت الأقنعة، وتعرّت الوجوه، ولم يعد في المسرح متّسع لأدوار رمزيّة… فالثّعلب لم يعد قادرًا على إخفاء ذيله، مهما أحسن ارتداء جلد الحمل.

وإنّ الكيان القائم بقوّة الاحتلال، مهما طال بقاؤه، يظلّ حالة طارئة في جسد التّاريخ، محكوم عليه بالزّوال حين تستعيد الأمة وعيها وتستردّ حقّها.

ولعلّ مشكلتنا لم تكن يومًا نقصًا في الشًجاعة… فهذه الأمّة الّتي عبرت التّاريخ بخيولها وأحلامها، لا تُتّهم بالجبن.

لكنّها—وللأسف—دفعت كثيرًا من أثمان غياب الوعي؛ ذلك الوعي الذي يفرّق بين صديق يمدّ يده، وعدوّ يُخفي في كفّه خنجرًا.

فإذا ما التقت الشجاعة بالوعي، تغيّر المشهد… لا لأنّ الواقع سيتبدّل فجأة، بل لأنّنا سنراه أخيرًا على حقيقته.

وحين نراه كذلك، لن نكون مجرّد ردّة فعل، بل سنكون فعلًا يُعيد رسم الخريطة، لا بالحبر، بل بالإرادة.

لقد أثبتت السنوات الأخيرة—بقساوتها الّتي لا تنكر—أن منطقتنا لم تعد مجرّد جغرافيا، بل صارت مسرحًا مفتوحًا لتجارب الآخرين، تُدار على أرضنا، وتختبر في شوارعنا، وتُكتب فصولها بدمائنا.

والمؤلم أكثر… أنّ الضّجيج كان عاليًا، لكنّ البكاء كان خافتًا، وكأنّ هذه الأمّة اعتادت أن تُخفي وجعها، حتّى عن نفسها.

ومع ذلك…

أمام تلك الشّاشة الصّغيرة، وعلى ارتفاع آلاف الأقدام، بدا كلُّ شيء مختلفًا.

كانت الخريطة تقول ما لا نقوله نحن: إنّ المسافات أقصر ممّا نظنّ، وإنّ الحدود أضعف ممّا نعتقد، وإنّ ما يجمع هذه المدن أكبر بكثير ممّا يُفرّقها.

ربّما كانت مجرّد رحلة عابرة…

لكنّها، في داخلي، كانت بداية طريق.