الفضيل يكتب: وماذا بعد حرب إيران

 

د. زيد بن علي الفضيل

ندرك أن لكل حرب نهاية، وهذه الحرب المستعرة بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى ستنتهي قريبا، وما الهدنة القائمة لأسبوعين كما أعلن الرئيس ترامب بوساطة باكستانية واللقاء المرتقب لبدء المفاوضات البينية بين إيران والولايات المتحدة في الباكستان إلا بداية لهذه النهاية المرتقبة للحرب القائمة منذ شهر ونيف. والسؤال: كيف سيكون مآل المنطقة في القريب المنظور؟ وما الدور الذي يجب أن نتبناه في المملكة العربية السعودية وباقي دول المشرق العربي وعلى رأسهم جمهورية مصر العربية والمملكة الأردنية الهاشمية؟

لقد أثبتت السعودية مع هذه الأحداث بأنها دولة عميقة في حكمتها، قوية في إرادتها، وازنة في مواقفها، ووضح للجميع حجم مساعدتها لدول مجلس التعاون الخليجي التي تضررت بشكل كلي جراء الحرب القائمة، واستهداف إيران الجائر باعتدائها السافر على دول المنطقة بما فيها السعودية، وهو ما أفقد إيران حاضرا ومستقبلا أي تعاطف عربي خليجي، وكرس من حالة الحذر من أي تقارب مستقبلي يمكن أن يكون معها. 

في هذه المحنة فتحت السعودية لدول المنطقة أراضيها دون أي شرط، ودون أي تنازل تستهدف الحصول عليه من قبلهم، فأعطت الكويت مطار القيصومة السعودي لتسيير رحلاتهم، وكذلك الأمر مع مطار الملك فهد الدولي بالدمام للبحرين وقطر، ولم تكتف بذلك، بل إنها فتحت مطار عرعر للعراق، واهتمت بتسيير أفواج المعتمرين الإيرانيين في شهر رمضان إلى الحدود العراقية ليكملوا مسيرهم إلى بلادهم بكل احترام وعناية فائقة، بالرغم من تعرض السعودية لاعتداءات جائرة من إيران خلال هذه الفترة. 

كل ذلك وغيره يصب في صالح السعودية ويعزز من مركزيتها على الصعيد الاستراتيجي، ويؤكد ما هي عليه من قيمة كبيرة يصعب على العرب والإقليم والساحة الدولية تغافلها، وهو ما يجب أن تستفيد منه في أي ترتيب قادم مخطط له من قبل عديد من القوى العالمية. لاسيما وأن ما يحدث من مفاوضات بين إيران وأمريكا ما كان ليحدث لولا دعم السعودية لباكستان، علاوة على تركيا ومصر والذين اجتمعوا في الباكستان الأسبوع الفائت، ويؤكد ما أشير إليه حرص وزير خارجية إيران السيد عباس عراقجي على الاتصال بالأمس القريب بسمو وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان، ليطلعه على طبيعة المفاوضات الجارية.

أمام ذلك من المهم أن تتشكل رؤية جديدة تقودها السعودية، تربط بين العرب وجيرانهم من الدول الإسلامية وبخاصة الباكستان وتركيا، بهدف تأسيس محور دفاع مشترك ليس على النطاق العسكري وحسب، بل ويمتد بتأثيره وترتيباته إلى النطاق السياسي والاقتصادي، وهو ما سيكون له أثره الكبير على الساحة الدولية، ويحدُّ من سطوة إسرائيل التي تستهدف الجميع بعدائها، وتعمل على تفتيتهم ليسهل عليها قنصهم بشكل منفرد.

أشير إلى أني سابقا قد اقترحت في مقال وسمته بعنوان "السعودية وتحالف القبضة الاستراتيجي" بأن تكون إيران جزءا من هذا التحالف الذي يجمع تركيا والباكستان ومصر والسعودية، لكني اليوم وبعد إصرار إيران على استمرار اعتدائها السافر على جيرانها العرب، أجد أنه لم يعد لها مكان في المستقبل المنظور في أي تحالف إقليمي شامل.

كما أجد في المقابل أن للأردن دور محوري في هذا التحالف الاستراتيجي بحكم موقعه الجغرافي، وقدراته العسكرية، وخبرة مجتمعه المدني، وحتما سيكون الأردن في حال وضوح الصورة سندا مهما وداعما للسعودية ومصر في جمع شتات البلدان العربية، وإنهاء حالة التيه والشتات التي تعاني منها سواء في السودان والصومال واليمن وغيرها.

إننا أمام تحول مهم مرتقب، فإما أن نكون حاضرين فيه بقوة، أو لن تكون لنا قائمة مستقبلا، واليوم تمثل السعودية القوة الأمثل التي تستطيع أن تجمع الإقليم في محور دفاع مشترك، وذلك بحكم مركزيتها الدينية، ومتانتها الاقتصادية، وحكمتها السياسية، وتقدمها العسكري، فهل يسمو الإقليم ويؤسس لهذا التحالف ليكون رقما صعبا في قابل الأيام؟ رجاء أدعو الله تحقيقه.