التل يكتب: هدنة أم فخ؟.. كيف تُدير "هندسة الخوف" لعبة الشرق الأوسط الجديدة

 

د.مصطفى التل


في لحظة إقليمية تتسم بالغموض والتوتر المحسوب، لم تعد الهدنات مجرد توقف مؤقت لإطلاق النار، بل أصبحت أدوات استراتيجية لإدارة الصراع.

"هدنة الأسبوعين" بين الولايات المتحدة وإيران ليست استثناءً، بل نموذجاً مكثفاً لما يمكن تسميته اليوم بـ"هندسة الخوف"، ذلك النمط الجديد من الردع الذي لا يسعى إلى إنهاء الصراع بقدر ما يسعى إلى تنظيمه.

ما يجعل مشهد عام 2026 مختلفاً جذرياً ليس فقط سلوك الأطراف الإقليمية، بل دخول القوى الكبرى، وخصوصاً الصين وروسيا، كعناصر فاعلة في إعادة تشكيل قواعد اللعبة , وهنا لم يعد الردع ثنائياً، بل أصبح شبكة معقدة تتداخل فيها المصالح وتُدار عبرها المخاطر بدلاً من أن تُحسم.


في البداية، تبدو "هدنة الأسبوعين" وكأنها إنجاز دبلوماسي سريع، لكنها في جوهرها ليست سوى تجميد مؤقت للتصعيد ,  كل طرف يقرأها من زاويته الخاصة، فالولايات المتحدة تراها فرصة لاحتواء التوتر وتجنب انزلاق مكلف إلى حرب شاملة، بينما تعتبر طهران أنها اعتراف ضمني بمكانتها وقدرتها على فرض الشروط , أما إسرائيل فتنظر إليها بريبة، خصوصاً مع استثناء الساحة اللبنانية من بنود التهدئة، في حين تتعامل دول الخليج معها كفترة تنفس لا أكثر ,  هذه التناقضات المتأصلة تجعل الهدنة بطبيعتها هشة، لأنها لا تعالج جذور الصراع بقدر ما تؤجل انفجارها إلى موعد لاحق.

لفهم أعمق لهذا المشهد، يمكن استحضار تصور نظري مفاده أن التحالفات لا تُبنى على الثقة بقدر ما تُبنى على إدارة الخوف ,  في هذا الإطار تعيش كل دولة بين هاجسين متناقضين : الخوف من أن تُترك وحيدة في مواجهة العدو، وهو ما يعرف بـ"التخلي"، والخوف من أن تُجر إلى حرب لا تريدها، وهو ما يعرف بـ"الاستدراج".

في الشرق الأوسط اليوم، هذه المعضلة لم تعد نظرية بل واقعاً يومياً، فالولايات المتحدة تخشى التورط في حرب شاملة على جبهات متعددة، وإيران تخشى مواجهة متعددة الجبهات تهدد استقرار نظامها، وإسرائيل تخشى فقدان الغطاء الأمريكي في لحظة الحقيقة، أما دول الخليج فتخشى أن تتحول أراضيها إلى ساحة صراع مفتوح بين القوى الكبرى ,  وهكذا تتحول الهدنة إلى آلية لضبط هذا الخوف المشترك، لا لإنهائه.


ما يميز لحظة 2026 هو أن "هندسة الخوف" لم تعد محلية أو إقليمية فقط، بل أصبحت متعددة المستويات مع دخول الصين وروسيا كفاعلين مؤثرين في إعادة تعريف قواعد الردع ,  فالصين تعتمد على أدوات مختلفة تماماً عن القوة العسكرية المباشرة، فهي تسعى إلى توسع اقتصادي عميق مع دول المنطقة بما فيها إيران ودول الخليج، وتقدم بدائل للعقوبات الغربية عبر الشراكات التجارية، مع تجنب المواجهة المباشرة والحفاظ على نفوذ متزايد , هذا يخلق نوعاً جديداً من الردع يمكن تسميته بـ"الردع الاقتصادي"، الذي يجعل من الصعب عزل أي طرف بالكامل، فكلما زاد ارتباط دولة ما بالصين زادت قدرتها على مقاومة الضغوط الغربية ,  لكن الأهم أن الصين لا تلغي الخوف بل تعيد توزيعه، فهي تضيف متغيراً جديداً محيراً للدول : كيف يمكن الموازنة بين واشنطن وبكين دون أن تخسر أي منهما؟!


أما روسيا فتبنى نهجاً مختلفاً قائماً على الحضور العسكري والتكتيك السياسي، من خلال تموضع عسكري مباشر في بؤر الصراع في أفريقيا وآسيا ، وشراكات استراتيجية مع قوى إقليمية كإيران، واستثمار في ما يمكن تسميته بـ"الفوضى الموجهة" للحفاظ على نفوذ دائم.

روسيا لا تسعى إلى إنهاء الصراعات بل إلى إبقائها ضمن مستوى يمكن التحكم به، وهي بذلك تمارس نوعاً من الردع عبر التعقيد، حيث كلما زادت الأطراف وتداخلت المصاعب أصبح الحسم العسكري أصعب وأكثر كلفة على الجميع.


مع دخول هذه القوى لم يعد الردع قائماً على معادلة بسيطة بين طرفين، بل أصبح شبكة متعددة العقد تتفاعل فيها القوى المختلفة بطرق غير متوقعة، فالولايات المتحدة تردع إيران عسكرياً، وإيران ترد عبر وكلائها الإقليميين، وإسرائيل تتحرك بضربات استباقية، والصين توفر مظلة اقتصادية بديلة، وروسيا تضبط الإيقاع العسكري في بعض الساحات.

النتيجة هي نظام ردع شبكي لا يمكن فهمه من خلال سلوك طرف واحد، بل من خلال تفاعلات الجميع معاً.


المفارقة أن نفس العوامل التي تجعل الهدنة هشة قد تجعلها قابلة للاستمرار، ذلك أن كلفة الحرب الشاملة باتت مرتفعة على الجميع، وتعدد اللاعبين يجعل التصعيد غير قابل للسيطرة، والخوف لم يعد من الهزيمة وحدها بل من فقدان القدرة على التحكم في مسار الأحداث.

هنا يصبح الهدف الأساسي لجميع الأطراف ليس الانتصار بالمعنى التقليدي، بل إدارة المخاطر بطريقة تحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار دون القفز إلى المجهول. في ظل هذه المعطيات، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحاً ليس السلام الدائم ولا الحرب الشاملة، بل حالة وسط تتسم بهدنات متكررة وقصيرة الأمد، وتصعيدات موضعية عبر وكلاء، وتفاوض مستمر دون اختراق حاسم، وتوازن قائم على الخوف المتبادل ,  إنه ما يمكن وصفه بـ"الاستقرار الهش" أو "اللا حرب واللا سلم".


ما نشهده في الشرق الأوسط ليس مجرد أزمة عابرة، بل تحول في طبيعة النظام الإقليمي نفسه، فالقوة لم تعد في الحسم العسكري بل في القدرة على التحكم في الإيقاع، والتحالفات لم تعد ضمانات أمنية بل مخاطرة محسوبة، والردع لم يعد تهديداً مباشراً بل شبكة معقدة من الإشارات التي يتبادلها اللاعبون الكبار والصغار على حد سواء ,ومع دخول الصين وروسيا إلى هذه المعادلة، لم يعد الخوف ثنائياً بل أصبح موزعاً ومداراً ومشتركاً بين الجميع.

في هذا العالم الجديد، لا أحد يملك الأمان الكامل، لكن الجميع يسعى إلى شيء أكثر تواضعاً : خطر يمكن التعايش معه.

هكذا تتحول "هدنة الأسبوعين" من حدث عابر إلى مرآة تعكس نظاماً إقليمياً جديداً، نظام لا يمنع الصراع بل يعيد تصميمه وفق قواعد أكثر تعقيداً ومرونة، حيث الخوف نفسه هو أداة الاستقرار الوحيدة الممكنة في منطقة تتعلم كيف تعيش تحت غيمة دائمة من القلق المحسوب