الخيطان يكتب: الشرق الأوسط كما ترسمه إسرائيل
فهد الخيطان
كل ما يحدث في المنطقة حاليا من صراعات عسكرية وجبهات حروب مفتوحة على كل الاحتمالات، يندرج فعليا في إطار التعريف الإسرائيلي للشرق الأوسط بعد السابع من أكتوبر.
منذ ذلك التاريخ حسمت إسرائيل أمرها، واستعدت لخوض حرب كبرى متعددة الجبهات، لتأمين وجودها لعقود قادمة. مراكز التأثير في صناعة القرار الأميركي، كانت على توافق تام مع مشروع نتنياهو، خاصة بعد وصول دونالد ترامب وفريقه للبيت الأبيض.
حروب غزة والضفة الغربية ولبنان وسورية، كانت من أبرز تجليات هذا المشروع. اليمن جبهة ثانوية في الحرب، لكن الأهم الأكبر كان إيران بوصفها الراعي الأكبر لمحور عريض وممتد في الشرق الأوسط، نافس إسرائيل على النفوذ والحضور والهيمنة.
قبل ذلك، إسرائيل تحت حكم اليمين المتشدد، كانت أكثر عدوانية وطمعا تجاه جوارها العربي والإقليمي. أغلقت الباب مبكرا في وجه دعوات السلام وحل الدولتين، وفوتت فرصة لا يبدو أنها ستعوض في وقت قريب لتطبيع علاقاتها مع دول كبرى في المنطقة. بعد السابع من أكتوبر، لم يعد نتنياهو يكترث بفشل جهود التطبيع "الإبراهيمي". تمسك بتعريفه العدواني للشرق الأوسط، ونبذ التعريف العربي والدولي القائم على الحل السياسي والسلام العادل.
استثمر في أحداث السابع من أكتوبر لإقناع العالم بأن السماح بقيام دولة فلسطينية يعني تكرار هجوم حماس مرة ثانية في الضفة الغربية.
كل المؤشرات والتقارير كان تفيد وفي وقت مبكر أن إسرائيل، وبدعم كبير من إدارة ترامب ماضية في طريقها لحرب كبرى، في الشرق الأوسط، تفضي في نهاية المطاف لتسوية شاملة وفق شروطها.
لكن كثيرين في دوائر صنع القرار العالمي، شككوا في مدى التزام إدارة ترمب بمشاركة إسرائيل في حربها هذه. الأحداث أثبتت أنهم أخطأوا التقدير. لقد بدت واشنطن أكثر اندفاعا في بعض الأحيان من إسرائيل، فما من منطقة صراع في الشرق الأوسط، لم يتوعدها الرئيس ترامب بالجحيم، حتى غزة المنكوبة بعد حرب إيادة وحشية.
مسار الحرب المفتوحة منذ أكثر من عامين في الشرق الأوسط، يؤكد بشكل قاطع أن واشنطن وتل أبيب على نفس الخط تماما، ويخوضان حربا واحدة وفق رؤية استراتيجية مكتملة.
إيران حلقة مركزية في هذه الاستراتيجية، لكن كل شيء يمكن أن ينهار هناك إذا لم ينجح التحالف الأميركي الإسرائيلي في إخضاع طهران. إسرائيل تعتبر تحقيق هذا الهدف شرطا حاسما لاستكمال مشروع التسوية "التصفية" الكبرى في الشرق الأوسط لصالحها.
المرحلة التالية تتطلب مقاربات سياسية ودبلوماسية بدأ التحضير لها منذ الآن، وتهدف على المدى المنظور لترتيب الوضع القائم في قطاع غزة، والشروع في خطة ترامب لإعادة تشكيل مستقبل القطاع المنكوب وفق التصور المعلن في خطته.
الضفة الغربية هى المحطة التالية في الترتيبات الإسرائيلية الأميركية. حكومة نتنياهو تسابق الزمن في خططها لضم أكبر قدر من أراض الضفة الغربية قبل اضطرارها لخوض انتخابات مبكرة، وتعمل بتنسيق وثيق مع إدارة ترامب، لفرض أمر واقع يجري ترسيمه قبل أن يتحول لمشروع سياسي معلن للتسوية هذا العام.
بالنسبة لتل أبيب لا معنى ولا قيمة لكل الحروب التي تخوضها إذا لم تترجم لمكاسب استراتيجية في الضفة الغربية. لكن التحول الجوهري في التفكير الإسرائيلي لا يقف عند هذا الحد. أمن إسرائيل على المدى البعيد يتطلب مجالا حيويا أكثر عمقا، ولهذا فإن مواصلة احتلال أراض سورية ولبنانية، يعد أمرا حاسما لا يمكن التنازل عنه.
إسرائيل ترسم صورة الشرق الأوسط الجديد بتوقيع أميركي.