خطاطبة يكتب: الكيان المسخ ماض في نصب المشانق
محمود خطاطبة
يستحضرني قول مأثور للمُفكر الإنجليزي، ويليام بن، إن فعلًا واحدًا من الظُلم يُشكل تهديدًا لكُل العدالة، ومع ذلك ليس أخطر على فكرة العدالة من أن تُستخدم أدواتها لإلغائها.
لكن، في قانون عقوبة الإعدام للفلسطينيين الذي أقره برلمان دولة الاحتلال الإسرائيلي (الكنيست) لا يُمكن قراءته كتشريع ظالم فقط، بل بخطوة سياسية مُغلفة بنص قانوني، فالأمر برمته لا يتعلق بعقوبة مُقززة، بل بالبيئة التي ستُطبق فيها.. فالمحاكم العسكرية التي يُفترض أن تنظر في هذه القضايا تعمل ضمن منظومة تُسجل مُعدلات إدانة شبه كاملة، في ظل انتقادات مُتكررة تتعلق بانتزاع الاعترافات تحت الضغط وغياب الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة للأسرى الفلسطينيين.
وفي ظل هذا السياق، يُصبح الإعدام أقرب إلى نتيجة متوقعة، لا إلى حكم قضائي قائم على توازن الأدلة.. هذا إذا سلمنا جدلًا بوجود منظومة عدالة من أصله، خصوصًا إذا ما علمنا بأن أكثر الدول دكتاتورية ودموية على مر التاريخ لم يحصل مثل ذلك.
وهُنا، لا يُمكن تجاهل ما تقوله قواعد القانون الدولي، فـاتفاقيات جنيف التي تُنظم سلوك الدول في حالات الاحتلال تُشدد على ضرورة توفير مُحاكمات عادلة، وحماية السكان الواقعين تحت الاحتلال، كما أن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يضع قيودًا صارمة على تطبيق عقوبة الإعدام، ويشترط أعلى معايير العدالة، وهي شروط يُمكن الجزم بأنها غير متوافرة في هذه الحالة.
والمشهد يُصبح أكثر قتامة عندما يتحول القانون إلى مُناسبة تشف مرضيّ، إذ إن ظهور وزير الأمن القومي في الكيان المسخ، إيتمار بن غفير، وهو يرتدي دبوسًا على شكل مشنقة احتفالًا بإقرار قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، لا يُمكن فصله عن طبيعة الخطاب الاحتلالي المُتطرف، حيث يجري التعامل مع الفلسطيني خارج إطار الإنسان الذي له حقوق، وداخل إطار العدو والشاهد الذي يجب التخلص منه.
هذه ليست صورة قاتمة لائتلاف حُكومي، بل لمنظومة إجرامية كاملة، فرئيس وزراء الكيان الصهيوني، بنيامين نتنياهو، مثلًا والمطلوب لمحكمة الجنايات الدولية بجرائم حرب، والذي يواجه تحديات داخلية وخارجية، يوظف هذا التشريع لفرض واقع قانوني جديد في الضفة الغربية المُحتلة، يُعيد تعريف العلاقة بين الاحتلال والسكان، ويُمهد لتغييرات أوسع في شكل السيطرة على الأرض... وهُنا يتحول القانون إلى وسيلة لإعادة تشكيل حياة الفلسطينيين بعد الفشل في قتل جذوة المُقاومة.
دوليًا، وعلى الرغم من صدور إدانات دولية، إلا أن التجربة تُظهر أن بيانات الشجب والاستنكار وحدها لا تكفي، طالما لم تقترن بإجراءات ملموسة، فحُكومة الاحتلال الإسرائيلي التي لم تجد رادعًا في قطاع غزة، لن تجد سببًا للتوقف عن نصب المشانق لتسعة آلاف شخص، يقبعون في زنزانات الاحتلال الإسرائيلي، بلا أكل أو شُرب، والأنكى بلا أبسط حقوق.