خريسات يكتب: ويل للمطففين

 

رامي خريسات

في ظروف عدم اليقين ومحاولة البعض استغلالها لتعظيم أرباحهم التجارية، يرى الكثيرون ضرورة تكثيف الرقابة الحكومية، وهنا الإشكالية وهي استحالة تطويق الأسواق بجيوش من الرقباء، أو وضع أعينٍ حكومية على كل رفٍ يزدحم بالأصناف. لذلك من الضروري أن يدرك المجتمع أن الرقابة بجوهرها ذاتية يحكمها حسن الاختيار سعراً وجودةً وضمير التاجر، والأهم المنافسة الشريفة مشرعة الأبواب والتي هي الفيصل.
 

بمعنى أن الحكومة دورها ضامن المنافسة، تعمل على تكسير حلقات الاحتكار حتى لو كانت احتكار قلة، فثلاثة موردين يتفقون تحت الطاولة على تقاسم السوق وتحديد الأسعار الاحتكارية المجحفة.    
هي المنافسة التي تجبر الأسعار على الهبوط؛ لذلك القول إن الرقابة غائبة ليس دقيقًا، والدقيق أن الوازع الأخلاقي للبعض غائب، وهناك من وجد فرصته المواتية لفرض أسعاره المستبدة على المستهلكين.
لكن مهلاً هناك حالات لتدخل الرقيب تتمثل في متابعة التزام التجار بالإفصاح كتابةً عن الأسعار، وهنا يبرز دور المستهلك نفسه من حيث هجر أي تاجر لا يعلن عن أسعاره، وكذلك تجنب التعاطي مع من يرفع الأسعار دون مبرر. 
من صور 'التطفيف الاقتصادي' في أوقات الأزمات، إقدام التاجر على ممارسة الغبن من خلال تطبيق الأسعار الجديدة المرتفعة على بضائع قديمة كانت في حوزته مسبقاً بتكلفة أقل؛ وهنا تكمن الإشكالية في صعوبة الإثبات، حيث لا يمتلك المشتري الأدوات اللازمة للتحقق من تكلفة السلعة الحقيقية؛ فمطالبة التاجر بكشف فواتير توريده لكل قطعة يشتريها المواطن أمر غير عملي، مما يترك المشتري عرضةً لتقديرات التاجر وأهوائه السعرية.
هنا التكنولوجيا تتدخل بدءاً من أعلى هرم التوريد؛ فمن خلال أتمتة العلاقة بين كبار الموردين والجهات الرقابية وباستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالأسعار، عندها تصبح تفاصيل الكميات الموردة وأسعار كلفها مكشوفة أمام متخذ القرار .
للعلم لا يكتمل نصاب العدالة في الأسواق دون تفعيل سلاح 'الردع بالشفافية والقائمة على إعلان أسماء المخالفين (Naming and Shaming) ليكون الردع المجتمعي مكملاً للردع القانوني، ولتتحول السمعة إلى كلفة حقيقية لكل من يغامر بالاستغلال.
أحدث الممارسات التي تعتمدها الدول المتقدمة اليوم ما يسمى بـ»خرائط الأسعار الحرارية»، وهي منصات تتيح للمواطنين الإبلاغ اللحظي عن الأسعار، مما يرسم خريطة رقمية توضح أماكن الغلاء المصطنع، مما يسهل على فرق الرقابة حتى ولو كانت محدودة التوجه مباشرة لبؤر الجشع بدلاً من البحث العشوائي.
على المستوى الإستراتيجي يذكر للحكومة اتخاذ إجراءات مؤسسية دعمت الاقتصاد؛ فهناك  البنك المركزي بحزمة الـ760 مليون دينار لدعم السياحة، وتعزيز الأمن الغذائي، وتقوية السيولة المصرفية والخفض التدريجي لرصيد شهادات الإيداع، بجانب قرارات ترشيد الاستهلاك وضبط الإنفاق، وتحمل الحكومة الفوائد لدعم المنشآت السياحية لا سيما ما يتعلق برواتب العاملين ومنع تصدير مدخلات إنتاج صناعة الأدوية ودعم شركة الكهرباء الوطنية لتمكينها من شراء الوقود، بجانب تعويض المواطنين الذين تضرروا من سقوط الشظايا والمسيرات، والأهم استدامة السلع لمدد تتجاوز استمرار الحرب بشهور طويلة .