العايدي يكتب: المسجد الأقصى (2): من البقرة إلى الهيكل

 

د.محمد صبحي العايدي


الأساطير الدينية هي سرديات تبنى خارج الضبط الديني المنهجي، وتفتقر إلى أساس علمي وتاريخي متماسك، ثم يعاد إنتاجها لتخدم أهدفاً اجتماعية أو سياسية، غير أن خطورتها تكمن في تفعيلها، ونقلها من حيز الإيمان إلى ميدان الصراع، وتحويلها من فرضية ذهنية ونص مؤول، إلى مشروع يراد فرضه في الواقع.
 

هنا تحديداً تبرز الإشكالية، لا في «الأسطورة» بوصفها نصاً دينياً محرفاً، بل بوصفها أداة يتم توظيفها في إدارة الصراع، فالمسألة ليست صحة الفكرة أو بطلانها، بل في الوظيفة التي تؤديها حين تدخل في سياقها السياسي.
وفي هذا الإطار، ارتبطت في الخطاب الصهيوني فكرة بناء «الهيكل» بـ»البقرة الحمراء»، حيث أعيدت صياغتها داخل خطاب أيديولوجي يجعل منها شرطاً رمزياً لمشروع أكبر، وهنا حدثت النقلة النوعية الأخطر، حين انتقل الحديث من طقس ديني محدود الدلالة، إلى توظيف سياسي لتشكيل الواقع، هذه النقلة لا يمكن تفسيرها ضمن إطار إيماني محض، بل ضمن عملية مقصودة لإعادة تشكيل الرموز بما تخدم أهدافاً تتجاوز أصلها.
وهذا يطرح سؤالاً جوهرياً، لماذا تستدعى الأسطورة الدينية في الصراعات السياسية؟
الجواب: لا يكمن في الإيمان بها بقدر ما يكمن في وظائفها:
فهي أولاً، تمثل أداة تعبئة مستمرة تبقي الصراع مفتوحاً، لا يرتبط بنتائج آنية، بل بوعد مؤجل يمنحهم القدرة على الاستمرار مهما تعثرت الوقائع، وبهذا تتحول المعركة من حدث سياسي مؤقت إلى حالة مستمرة، تتغذى على الأمل بالموعود، أكثر مما تحكمها الحسابات الواقعية، وهذا ما نشهده اليوم من تجدد الاعتداءات الصهيونية على المسجد الأقصى والمقدسات في القدس والداخل المحتل، حيث تفسر بكونها اعتداءات مؤدلجة مبنية على أساطير، لا تنتهي بنهاية محددة، ولا ترتبط بأسباب مفهومة، إلا حب الانتقام والعداء غير المبرر.
ثم تأتي وظيفتها الثانية في تسويغ تجاوز المبادئ الإنسانية والقانونية، إذ حين يقدم الفعل بوصفه تنفيذاً «لإرادة الإله»، ترفع عنه معايير التقييم البشرية، ويعرف الاعتداء باعتباره ضرورة لا انتهاكاً، وهنا يعاد تشكيل الوعي الإسرائيلي، بحيث لا يرى التناقض في الممارسات القمعية، التي تقدم عليها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، بل يراها انسجاماً مع «الأمر المقدس».
كما تسهم هذه الأساطير في توسيع دائرة الدعم والتأييد داخلياً، عبر توحيد الجماعات المتباينة تحت رمز جامع، وخارجياً عبر استدعاء تعاطف تيارات دينية عابرة للحدود، تؤمن بسرديات مشابهة، كما هو الحال في الصهيونية الإنجيلية في أمريكا، حيث تتحول القضية من مشروع سياسي داخلي محدود، إلى خطاب عالمي يتغذى من تلاقي هذه السرديات.
ولا تقف الأسطورة عند هذا الحد، بل تمتد إلى بناء هوية مجتمعية مغلقة، يرى الفرد فيها نفسه جزء من قصة كبرى، لا مجرد مواطن في دولة، فيصبح الصراع مكوناً من مكونات الهوية، لا مجرد موقف مؤقت، مما يجعل التراجع عنه أقرب إلى الانكسار الوجودي.
كما تستخدم هذه السرديات لتعويض القلق، والاضطراب الداخلي، لأن الكيان الإسرائيلي يعيش على توترات مستمرة أخلاقية وسياسية نتيجة ممارساته العدائية، فالسردية الأسطورية تمنح المجتمع شعوراً باليقين، حتى لو كان مبنياً على الرمزية بلا سند واقعي أو علمي.
والأخطر من ذلك أن هذه الأساطير التي تأخذ بعداً دينياً مؤدلجاً، تنقل الصراع من مجرد نزاع سياسي، إلى كونه صراعاً مقدساً، فتغلق الأبواب دون الحلول الواقعية.
ومن هنا يتضح أن هذه الأساطير لا تحتاج إلى برهان، بقدر ما تحتاج إلى بيئة تتقبلها، ووعي ضعف لا يقدر على تفكيكها، وسياق سياسي يستثمرها، فقوتها تأتي من الدور الذي تؤديه، لا من صدقها في نفسها.
وهنا يتجلى التحدي الحقيقي: أن مواجهة هذه السرديات، لا يكون بالرفض العاطفي لها، بل بالتفكيك المعرفي، وإعادة قراءة النصوص في سياقاتها، وفصل الدين عن توظيفاته السياسية، وبناء خطاب مقابل لا يكتفي بالدفاع، بل يعيد تعريف الرواية، ويحصن الوعي من أن يكون ساحة مفتوحة لأي بناء وهمي.
فالمعركة في المسجد الاقصى في هذا المستوى، ليست معركة «بقرة» ولا «هيكل» بل معركة على من يملك القدرة على تحويل هذه الأساطير الرمزية إلى مشاريع، وعلى من يملك الوعي الكافي لإيقاف هذا التحويل، فخطورة الأساطير تكمن في تحويلها إلى مشاريع تخدم أطماعا سياسية لتفرض واقعاً جديداً.