القصاص يكتب: اوروبا وأزمة الطاقة .. وجهه نظر

 

د. مالك القصاص

بدأت تداعيات الحرب على إيران تظهر بشكل ملموس داخل الاقتصاد الأوروبي، رغم بعد ساحة الصراع آلاف الكيلومترات عن الأراضي الأوروبية. فبعد أكثر من شهر على الحرب الذي بدأته القوات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 شباط/فبراير، وما تبعه من اعتداءات إيرانية على دول الجوار، بدأ المواطنون الأوروبيون يشعرون بارتفاع تكاليف المعيشة، خصوصا في أسعار الوقود والطاقة، وبالإضافة الى التأثير الذي طال أسعار الغذاء وتذاكر الطيران وحتى الاستقرار الاقتصادي العام.

كما وأدت التوترات في محيط مضيق هرمز، الذي يمر عبره ما يقارب خمس (20%) إمدادات الطاقة العالمية، الى خلق أزمة بدأت تتشكل فعليا مع اضطراب الملاحة وارتفاع المخاطر الأمنية في واحد من أهم شرايين الاقتصاد العالمي.

في ذات الشأن، لم يتوقف تأثير الأزمة عند أسواق الطاقة، بل امتد إلى بنية الاقتصاد العالمي، فقد أدى ارتفاع أسعار الطاقة الى رفع كلفة الإنتاج والنقل، ما أعاد الضغوط التضخمية وهدد بعودة سيناريو "الركود التضخمي". كما وأدت الازمة الى تعطل جزئي في تدفق المواد الخام والمعادن والبتروكيماويات، وإمدادات الغاز المسال وغيرها، مما أعاد إلى الواجهة مخاوف الى تعطل سلاسل الامدادات شبيهة بفترة ما بعد جائحة كورونا.

في ذات النطاق، بدأت أوروبا بالتحرك إلى التعامل مع الوضع كأزمة فعلية، حيث انها اعتبرت ان الصراع أصبح تهديدا مباشرا لاستقرار أسواق الطاقة، ما يجعل الاقتصاد العالمي شريكا مباشرا في الصراع، وليس مجرد متلق لتداعياته.

كما وقال مفوض الطاقة في الاتحاد الأوروبي دان يورجنسن لوزراء من ‌الدول الأعضاء، قبل أيام، إن على حكومات التكتل الاستعداد "لاضطراب طويل الأمد" في أسواق الطاقة نتيجة لحرب إيران.

في ذات السياق، اتخذت الدول الأوروبية خطوات عاجلة لضمان استقرار أسواق الطاقة وتأمين احتياجات المستهلكين والصناعات الحيوية، وتفادي موجات تضخم حادة قد تنجم عن اضطراب الإمدادات وارتفاع الأسعار. فعلى سبيل المثال، اعادت المانيا تفعيل خطط الترشيد التي كانت قد أعدتها خلال أزمات سابقة، والتي تشمل تخفيض استهلاك الطاقة في المباني العامة وتشجيع المواطنين والقطاعات الصناعية على تقليل الاستهلاك.

كما وتدرس فرنسا تطبيق خفض مؤقت للإضاءة في الأماكن العامة، الى جانب إصدار ارشادات للحد من استهلاك الطاقة في القطاعات التجارية والصناعية، في محاولة للتخفيف من الضغط المتزايد على شبكات الكهرباء.

كما وشددت إسبانيا القيود على استهلاك الطاقة، من خلال فرض حدود على استخدام التكييف والتدفئة في الأماكن العامة، في خطوة تهدف إلى تحقيق توازن بين استمرار النشاط الاقتصادي وتقليل الطلب على الطاقة.

في الوقت نفسه، أعلنت بولندا فرض سقف على أسعار الوقود، في خطوة مماثلة لما فعلته المجر وكرواتيا في الأشهر الماضية، الذي يهدف إلى حماية المستهلكين وتجنب موجات تضخم حادة نتيجة ارتفاع الأسعار العالمية للنفط والغاز.

بالإضافة الى ذلك، قررت إيطاليا مراجعة استراتيجيتها في الطاقة، بعدما مددت تشغيل محطات الفحم لسنوات إضافية، رغم خطط سابقة لإغلاقها قريبا، استجابة لضغوط متزايدة تتعلق بتأمين الكهرباء واستقرار الإمدادات في ظل اضطراب أسواق الطاقة العالمية. كما ركزت على خفض استهلاك الوقود، وتحفيز الاعتماد على مصادر طاقة بديلة في القطاعين الصناعي والنقل، إلى جانب طرح خطط لتشجيع استخدام حلول أكثر كفاءة، وفرض سقوف لأسعار الوقود تفادياً لصدمات مفاجئة في السوق.

وفيما يتعلق بالقطاع الخاص، تعمل شركات الطاقة في أوروبا على إعادة تقييم خطط الإمدادات لديها، والبحث عن مصادر بديلة للنفط والغاز، في ظل توقعات بارتفاع تكاليف التشغيل والتوزيع. وفي الوقت نفسه، يعكف المطورون والمستثمرون على دراسة زيادة الاستثمارات في مشاريع الطاقة المتجددة، ولا سيما طاقة الرياح والطاقة الشمسية، بهدف تقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد، وتعزيز الاستدامة وأمن الطاقة على المدى الطويل.

أخيرا وكعادتي لابد ان اتناول الموضوع من زاويتي الأردنية حيث يتطرق الى ذهني التحديات الجيوسياسية والاقتصادية والأمنية في الأردن، واسأل نفسي: هل لدينا استراتيجية شاملة لمواجهه تداعيات الحرب على إيران، مع الاخذ بعين الاعتبار الاستفادة من خبرات البلدان الاخرى؟ لابد ان تشمل هذه الاستراتيجية على حزمة من التدابير والإجراءات الوطنية، تبدأ بإعادة ترتيب البيت الداخلي، وتستهدف تجنب أزمات محتملة، لا سيما في قطاع الطاقة ونقص الوقود. كما ولابد ان تشمل خطط تهدف الى ضمان استمرارية توفر السلع الأساسية، مع الحد من ارتفاع أسعار المحروقات وكلف النقل والكهرباء، إضافة إلى ضبط أسعار السلع الأساسية، مثل الخبز وبعض المواد الغذائية والمنتجات الاستهلاكية، بما يحمي الاستقرار الاقتصادي ويخفف الأعباء عن المواطنين. كما ولابد من زيادة الاستثمارات في مشاريع الطاقة المتجددة، لتعزيز الاستدامة وأمن الطاقة على المدى الطويل.