المنسي يكتب: نهاية دورة وبداية مرحلة جديدة

 

جهاد المنسي


مع اقتراب نهاية الدورة العادية الثانية لمجلس النواب العشرين في السادس والعشرين من نيسان/ ابريل، فإن ذاك يشكل حدثا استثنائيا في مسار الحياة البرلمانية، ويشكل طابعاً سياسياً أكثر عمقاً، في ظل تداخل عوامل تشريعية وتنفيذية تعيد تشكيل ملامح المرحلة المقبلة.
 

فمجلس النواب يقف أمام لحظة تقييم حقيقية، ليس فقط لما أنجزه من قوانين، بل لما عكسه من قدرة على إدارة أولويات الدولة في توقيت دقيق وحساس، إذ شهدت الدورة التي أشرفت على الانتهاء زخماً تشريعياً لافتاً، ولا تزال في سباق مع الزمن لإنجاز ملفات ثقيلة، في مقدمتها قانون الضمان الاجتماعي، الذي يُرجّح أن يُحسم قبل إسدال الستار.
أهمية هذا القانون لا تنبع فقط من مضمونه، بل من رمزيته السياسية والاجتماعية، كونه يمسّ بشكل مباشر العلاقة بين السلطة التنفيذية والمواطن في ملف الحماية الاجتماعية، ويختبر قدرة المجلس على تحقيق توازن دقيق بين الاعتبارات المالية ومتطلبات العدالة.
في المقابل، تتزايد المؤشرات التي ترجّح عدم عقد دورة استثنائية بعد انتهاء الدورة الحالية، وهو ما يمنح الأيام المتبقية ثقلاً مضاعفاً، وهذا التوجه، إن تأكد يحمل دلالات سياسية تتعلق بإعادة ضبط إيقاع العلاقة بين الحكومة والمجلس، وترك مساحة زمنية أوسع لإعادة ترتيب الأولويات قبل الدخول في الدورة العادية الثالثة.
ما يُطرح في الكواليس في الوقت الحالي هو إمكانية إحالة مشروع قانون الإدارة المحلية الجديد إلى مجلس النواب قبل نهاية الدورة، إذ إن خطوة كهذه، إن تمت، ستفتح الباب أمام نقاش وطني واسع يتجاوز حدود القبة، خاصة إذا ما أُحسن استثمار الفترة الفاصلة بين الدورتين لإطلاق حوارات مجتمعية معمّقة حول مضامين القانون، فالإدارة المحلية لم تعد مجرد إطار تنظيمي، بل أصبحت جزءاً من مشروع التحديث السياسي، بما تحمله من أبعاد تتعلق باللامركزية وتوسيع المشاركة في صنع القرار.
أما قانون العمل، الذي لا يزال قيد النظر، فيقف عند مفترق طرق مع نهاية الدورة، فبمجرد الانتهاء من قانون الضمان، ستتحول الأنظار إليه بوصفه الحلقة المكملة لمنظومة التشريعات الاقتصادية والاجتماعية، والسؤال هنا لا يتعلق فقط بإقراره من عدمه، بل بطبيعة التعديلات التي سيحملها، ومدى قدرتها على تحقيق توازن بين حقوق العمال ومتطلبات بيئة الاستثمار، في ظل تحديات اقتصادية متزايدة.
سياسياً، فإن الاقتراب من نهاية الدورة يفتح الباب واسعاً أمام سيناريوهات تتعلق بإمكانية إجراء تعديل وزاري خلال الفترة الفاصلة بين الدورتين، وتحديداً في شهري تموز أو آب المقبلين، مثل هذا التعديل، إن حدث، لن يكون مجرد تغيير شكلي، بل سيعكس قراءة رسمية لأداء الفريق الحكومي في المرحلة الماضية، وقد يأتي في سياق محاولة إعادة ضخ الزخم في العمل التنفيذي، استعداداً لاستحقاقات تشريعية وسياسية أكثر تعقيداً في المرحلة المقبلة.
وفي هذا السياق، تبدو العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية مرشحة لإعادة تموضع، حيث لم يعد كافياً تمرير القوانين ضمن الإطار التقليدي، بل بات المطلوب إنتاج تشريعات أكثر نضجاً وقابلية للتطبيق، تستند لحوارات حقيقية مع مختلف الفاعلين، وهو ما يضع المجلس أمام تحدٍ مضاعف، إما أن ينجح في تكريس نفسه كشريك فعلي في صناعة القرار، أو أن يبقى أسير إيقاع حكومي يفرض عليه أولوياته.
في المحصلة، فإن نهاية الدورة الحالية لا تمثل خاتمة بقدر ما تشكل بداية لمرحلة جديدة، تتسم بارتفاع سقف التوقعات وتعقيد التحديات، وبين ترجيحات غياب الدورة الاستثنائية، واحتمالات طرح قوانين جديدة، وترقب التعديل الوزاري، يتشكل مشهد سياسي مفتوح على أكثر من سيناريو، ويبقى الرهان الأساسي على قدرة مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها مجلس النواب، على تحويل هذه اللحظة من مجرد استحقاق دستوري إلى فرصة حقيقية لإعادة بناء الثقة وتعزيز مسار الإصلاح السياسي.