العثامنة يكتب: من كاهانا الهامش إلى كاهانا الدول
مالك العثامنة
الخطر ليس أن إسرائيل أصبحت أكثر تطرفا، فهذه حقيقة باتت واضحة لكل من يتابع المشهد الإسرائيلي منذ سنوات، من صعود اليمين الديني إلى هيمنة خطاب الاستيطان، ومن انتقال شخصيات كانت تعتبر هامشية إلى قلب السلطة، لكن الخطر الحقيقي يكمن في مكان آخر تماما، في أن المنطقة ما زالت تقرأ إسرائيل بعقلية قديمة، وكأنها دولة يمكن احتواؤها بالبيانات أو الضغط عليها بالوساطات أو تعديل سلوكها بانتظار انتخابات جديدة تعيد التوازن إلى نظامها السياسي.
المشكلة أن إسرائيل لم تعد تعيش لحظة سياسية عابرة، بل تحولا بنيويا عميقا، انتقل فيها مركز الثقل من السياسة إلى الأيديولوجيا، ومن الحسابات إلى القناعات، وهذا النوع من التحولات لا يُعالج بالأدوات التقليدية، لأنه ببساطة يعيد تعريف قواعد اللعبة نفسها، ففي الماضي كان من الممكن تفسير سلوك إسرائيل باعتباره رد فعل على تهديد أمني أو نتيجة توازنات داخلية، لكن ما نشهده اليوم مختلف، لأن القرار السياسي لم يعد فقط قرار حكومة، بل أصبح تعبيرا عن مزاج اجتماعي يتغير تدريجيا، وعن سردية دينية وقومية تتوسع داخل المجتمع، وعن شعور متزايد بالقوة يجعل فكرة التسوية تبدو أقل جاذبية من فكرة الحسم.
ولعل المفارقة الأوضح في هذا التحول أن شخصيات وأفكارا كانت في الماضي تُصنف باعتبارها حالات متطرفة معزولة، أصبحت اليوم جزءا من التيار الرئيسي الذي يصنع القرار، ففي مرحلة سابقة كان أمثال جابونسكي يمثلون تيارا صداميا داخل الحركة الصهيونية لكنه ظل محكوما بتوازنات سياسية ومجتمعية تحد من اندفاعه، أما مئير كاهانا فقد ذهب أبعد من ذلك حين طرح أفكارا تقوم على الطرد الجماعي للعرب وشرعنة العنف ضدهم، ومع ذلك بقي لسنوات طويلة حالة متطرفة بلا حواضن اجتماعية واسعة داخل إسرائيل وبلا رعاية دولية حقيقية، بل كان يُدان حتى من داخل النظام السياسي الإسرائيلي نفسه وإن كانت تلك الإدانات خجولة.
حين اغتيل كاهانا في نيويورك عام 1990، بدا وكأن تلك الفكرة قد انتهت مع صاحبها، وأن التيار الذي مثّله سيظل هامشيا خارج الإجماع السياسي الإسرائيلي، لكن ما حدث لاحقا كان العكس تماما، إذ لم تمت الفكرة بل تضخمت ونمت داخل المجتمع، وانتقلت من الهامش إلى المركز، ومن خطاب احتجاجي متطرف إلى برنامج سياسي تتبناه أحزاب ثم إلى سياسات حكومية تُنفذ على الأرض.
اليوم لم يعد الكاهاني مجرد تيار فكري متشدد، بل أصبح له حواضن اجتماعية داخل إسرائيل ونفوذ مؤسسي داخل الحكومة نفسها، وهذا التحول لم يحدث فقط بسبب تغير داخلي، بل أيضا بسبب بيئة دولية أكثر تسامحا مع التطرف الإسرائيلي أو أقل استعدادا لمواجهته، حتى حين يقترب من حدود الفاشية السياسية، وهنا تحديدا تكمن المشكلة العربية الحقيقية، لأن كثيرا من النقاش في المنطقة ما يزال يدور حول إسرائيل التي عرفناها في التسعينيات، بينما إسرائيل اليوم تشعر أنها تملك فائض قوة عسكريا واقتصاديا وتقنيا وتعتقد أن الزمن يعمل لصالحها.
وفي السياسة، أخطر ما يمكن أن يحدث ليس صعود التطرف بحد ذاته، بل تحوله إلى حالة طبيعية داخل المجتمع، لأن التطرف حين يصبح مألوفا يفقد المجتمع مناعته ضده، وحين يجد صمتا دوليا من حوله يتحول من فكرة صادمة إلى خيار سياسي مشروع، وعندها لا يعود السؤال: هل هناك تطرف؟
بل: إلى أي مدى أصبح هذا التطرف هو القاعدة، لا الاستثناء.