العايدي يكتب: الوعي السياسي (2): الخطاب الديني والسردية الوطنية - قراءة نقدية

 

 

د.محمد صبحي العايدي


في سياق الأزمات الكبرى، يظهر الخلاف في طبيعة السردية التي يبنى عليها الوعي السياسي، فبينما تقوم الدولة الوطنية على إطار واقعي يحكمه القانون والمصالح والقدرات، تبرز أحياناً سرديات أممية تتبناها تيارات دينية بفكر أممي، وتوظف كأداة لمزاحمة الإطار الوطني وتشكيك الناس فيه، وهي لا تحمل برنامجاً عملياً قابلاً للتطبيق.
 

وهنا لا تكمن المشكلة في الفكرة الأممية من حيث هي تصور حضاري أو طموح تاريخي، بل في طريقة طرحها بوصفها بديلاً جاهزاً، وتقارن بالدولة الوطنية مقارنة غير متكافئة، فيصورن الدولة الوطنية كعائق لمشروعهم الممتد، لا كإطار ضروري لتنظيم الحياة وحماية الاستقرار، ومع هذا الطرح يعاد تشكيل الوعي على نحو يوحي بأن الانتماء الوطني يقف في مقابل الانتماء للأمة، وكأن العلاقة بينهما علاقة تناقض وتضاد لا تكامل.
فمثلاً في ظل الحرب الإيرانية الإسرائيلية يعاد تشكيل الوعي داخلياً على ضوء هذا الحدث، حيث يتنافس البعض على إعادة تعريف موقع الدولة الوطنية في هذا المشهد، وتوظيفه على حساب السردية الوطنية، فيصور المشهد بطريقة توحي بأن الانتماء الوطني هو انتماء محدود أو قاصر، وأن الموقف الحقيقي يقاس بمدى الانخراط في خطابات عابرة للحدود، هنا تبدأ ملامح الخلل، إذ تتحول الحرب من كونها حدثاً خارجياً يحتاج إلى قراءة دقيقة، وجاهزية وطنية للتعامل مع تداعياتها، إلى أداة ضغط على الداخل، حيث تستخدم إلى توجيه نقد حاد للدولة ومواقفها.
ويزداد هذا الخلل حين يمنح هذا الطرح غطاء من النصوص الدينية، فتلجأ بعض الخطابات الدينية إلى استدعاء النصوص وإسقاطها على الواقع بطريقة غير منضبطة، فتطرح قراءات تتحدث عن نهاية العالم، أو تفكيك الدول واندثارها بطريقة هوليوودية، تربطها مباشرة بالأحداث الجارية، بما يوحي أن الدولة الوطنية كيان مؤقت يوشك على الزوال، وهذا الخطاب ينتج حالة من «الانتظار السلبي» حيث ينصرف اهتمام الناس من حماية الداخل وتماسكه، إلى ترقب «النهاية المحتومة».
وفي المقابل هناك حركات الإسلام السياسي التي تستثمر في هذه الأجواء، فتعمل على تعميق الشك في قدرة الدولة الوطنية، من خلال تصويرها ككيان فاقد للإرادة أو عاجز عن حماية نفسه، مما يعيد الوعي العام على نحو يضعف الثقة بمؤسسات الدولة، ويفتح المجال أمام سرديات دينية بديلة، مهما كانت بعيدة عن الواقع.
وفي هذا السياق لا تقف الإشكالية عند حدود التنظير، بل تمتد إلى التشكيك المتكرر في السردية الوطنية، وفي أدوار الدولة ومواقفها، حتى في القضايا التي تشهد حضوراً فعلياً وملموساً، فحين تختزل الجهود الواقعية في صورة باهتة، وتقابل بسرديات مثالية غير قابلة للتحقيق، يتشكل وعي مشوش، لا يرى الإنجاز لأنه يقارنه بصورة ذهنية مطلقة، ولا يقدر الواقع حيث يقيسه بمعيار غير واقعي.
وفي الحالة الأردنية مثلاً، يتجلى هذا الخلل بوضوح، عندما يتجاهل الدور السياسي والدبلوماسي المستمر في الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، والدعوة إلى إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، فضلاً عن تحمل مسؤولية الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، ومتابعة الانتهاكات على المستوى الدولي، فهذه أدوار تبنى ضمن الممكن السياسي، وتتحقق ضمن معادلات معقدة، لكنها تهمش أحياناً لصالح خطابات لتيارات دينية تفضل الشعارات المثالية المتخيلة على الجهد الواقعي.
وهنا يصبح الخطر مضاعفاً، ليس فقط في طرح بدائل غير ناضجة، بل في إضعاف الثقة بالإطار الوطني ذاته، وتحويل الأزمات الخارجية إلى مدخل لإضعاف الثقة الداخلية، ومع تكرار هذا النمط يُخلق فراغ في الوعي، يضعف الانتماء دون أن يقدم بديلاً قابلاً للحياة لمجريات الأحداث، إن الوعي السياسي لا ينفى عمق القضايا الكبرى للأمة، لكنه يضعها في سياقها الصحيح، دون أن يسمح لها بأن تتحول إلى وسيلة لهدم الداخل، فليس المطلوب أن نختار بين انتمائنا للأمة والوطن، بل أن نفهم كيف نحمي الوطن ليبقى قادرا على الإسهام في قضايا الأمة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة ضبط السردية التي تتبناها بعض التيارات الدينية، بحيث تفهم ضمن سياقها التاريخي والفكري، وليس كأداة لمخاصمة الواقع للدولة الوطنية، وتصان السردية الوطنية بوصفها إطاراً عملياً لحماية الاستقرار وتحقيق المصالح، لا بوصفها نقيضاً للقيم الكبرى.