شبلي يكتب: بين وصف القرآن الكريم وواقع الأمة… أين الخلل؟
الدكتور سعد شاكر شبلي
يمثل وصف القرآن الكريم للأمة الإسلامية بأنها "خير أمة أخرجت للناس" تأصيلاً إلهياً للمعيار الحقيقي للخيرية، والذي لا يقوم على الانتماء العرقي أو الجغرافي، بل على أسس واضحة: "تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله". هذا النص القرآني ليس تأريخاً لواقع ثابت، بل هو دعوة مفتوحة ومسؤولية كبرى.
عندما ننتقل من النص إلى الواقع المعاصر، نجد فجوة عميقة بين هذه الدعوة الإلهية وبين الحال التي تعيشها الأمة العربية تحديداً. السؤال المحوري: هل هذه الفجوة تعني تناقضاً بين النص والواقع، أم أنها تكشف عن أزمة في التطبيق والالتزام بشروط الخيرية؟
أولاً: إشكالية "الأكل دون الزراعة" والتبعية الاقتصادية
اليوم لا يمكننا إلا تشبيه حال العرب وفق مقولة "يأكلون أكثر مما يزرعون"، هذا الوصف نجده يمثل التشخيص الدقيق لأزمة هيكلية في الاقتصاد العربي. فالدول العربية مجتمعة تمتلك موارد طبيعية هائلة، خاصة في مجال الطاقة، لكنها في الوقت نفسه تُصنف ضمن أكبر مستوردي الغذاء في العالم. هذا ليس عيباً في الذات العربية بقدر ما هو نتاج سياسات اقتصادية متبعة منذ عقود، اعتمدت على الريع النفطي بدلاً من الاستثمار في الإنتاج الزراعي والصناعي المستدام.
عندما تكون الأولوية لاستيراد كل شيء، من حبة القمح إلى رغيف الخبز، فإن الاقتصاد يفقد سيادته، وتتحول الدولة إلى سوق استهلاكية مفتوحة للغير. لكن هذا ليس قدراً محتوماً؛ فهناك تجارب عربية بدأت تنحو منحى مختلفاً، وإن كانت ما تزال محدودة.
ثانياً: تأخر الصناعة وخدمة صناعات الغير
القضية هنا ليست قصوراً في القدرات الفردية، بل في غياب المنظومة الصناعية المتكاملة. فالعالم اليوم لم يعد يعتمد على الصناعة التقليدية فقط، بل على الصناعات المعرفية والتكنولوجية. وإن تأخر العرب في هذا المجال يعود إلى عوامل متراكمة، من أبرزها:
- تراجع التعليم التقني والعلمي المرتبط بسوق العمل.
- غياب سياسات حماية المنتج المحلي.
- تحول معظم الدول العربية إلى مستهلك للتكنولوجيا الجاهزة بدلاً من تطويرها.
- هجرة العقول العربية إلى حيث تجد بيئة محفزة للابتكار.
ثالثاً: ضعف التجارة وغموض الدور التجاري التاريخي
هذه نقطة تستحق وقفة، فالعرب تاريخياً كانوا أمة تجارة بامتياز، وامتدادهم الجغرافي والحضاري جعل منهم جسراً بين الشرق والغرب. لكن التحولات الحديثة في النظام التجاري العالمي، وظهور التكتلات الاقتصادية الكبرى، وضعت الاقتصادات العربية المجزأة في موقع غير مؤثر. كما أن غياب رؤية تجارية موحدة، وعدم الاندماج الاقتصادي العربي - العربي، جعل من العالم العربي سوقاً مفتوحة للسلع الأجنبية أكثر منه كتلة منتجة ومصدرة.
رابعاً: التنوع الديني والطائفي… قوة محتملة أم سبب للانقسام؟
التنوع في المذاهب والطوائف والملل هو جزء من التركيبة العربية والإسلامية عبر التاريخ. المشكلة ليست في التنوع بحد ذاته، بل في توظيف هذا التنوع سياسياً. كما أن كثير من الصراعات التي تشهدها المنطقة اليوم لم تنشأ بسبب الخلافات الدينية أو المذهبية في جوهرها، بل بسبب مشاريع سياسية وإقليمية استخدمت هذه الفروق كوقود للصراع من أجل النفوذ والسلطة.
والأمة التي تستوعب تنوعها وتديره بعقل مدني ووطني هي أمة قوية. أما التي تجعل من هذا التنوع ساحة للاستقطاب والتقاتل، فإنها تستنزف طاقاتها وتضعف موقعها.
خامساً: أزمة الدفاع والاعتماد على القوى الكبرى
يشير واقع الحال أن معظم الدول العربية تعاني من إشكالية في بناء قدرات دفاعية ذاتية مستقلة. رغم أنها من أكبر مستوردي الأسلحة في العالم، إلا أن هذه الأسلحة غالباً ما تأتي بأنظمة مرتبطة بشروط سياسية، ولا تقابلها صناعة دفاعية وطنية حقيقية.
ويبدو أن الاعتماد على القوى الكبرى في الحماية هو أحد نتائج غياب مشروع دفاع عربي مشترك، وضعف التكامل العسكري بين الدول العربية، واستمرار النزاعات الإقليمية التي تجعل من السهل اختراق الأمن العربي. كما أن القوة العسكرية الحقيقية لا تكمن فقط في شراء السلاح، بل في القدرة على تصنيعه، وصيانته، وامتلاك الإرادة السياسية لاستخدامه بشكل مستقل.
خاتمة: من التشخيص إلى المسؤولية
نجد أن حال الأمة المتردي هو تشخيص دقيق للأعراض التي تظهر واضحة في جسد الأمة العليل، لكن الخطر الحقيقي يكمن في تحويل هذه الأعراض إلى "حتمية قدرية" أو "صفة لازمة" للأمة العربية.
لذا فإن القرآن عندما وصف الأمة بأنها "خير أمة" وضع أمامها معياراً لا يتوقف، أي أن الخيرية ليست ميراثاً سلبياً، بل هي مسؤولية متجددة. وعندما نقرأ سورة الأنفال نجد الآية: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".
الأمة العربية اليوم أمام مفترق طرق:
- إما أن تستمر في دائرة الاستهلاك، والانقسام، والتبعية.
- وإما أن تبدأ مشروعاً جاداً للتغيير يبدأ بإصلاح التعليم، وتحقيق التكامل الاقتصادي، وبناء مشروع ثقافي يقدّم نموذجاً للتعايش الحقيقي، واستعادة الثقة في القدرات الذاتية.
وعليه فالأمة ليست "أكلةً" ولا "تابعةً" بفطرتها؛ فقد أثبت العرب عبر التاريخ قدرتهم على الإبداع والعطاء الحضاري. لكن النهوض اليوم يحتاج إلى إرادات واعية، وإلى نقد ذاتي شجاع لا يتحول إلى يأس أو جلد للذات، بل إلى برنامج عمل واضح.
وإن الخروج من هذا الواقع ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب من النخب العربية، سياسياً وفكرياً واقتصادياً، أن تتحمل مسؤوليتها في تغيير المعادلة، والانتقال من منطق "التشخيص المؤلم" إلى منطق "العمل الجاد". وهذا يستوجب الوقوف عند سبل النهوض القومي العربي مستقبلا، والتي تتجاوز الشعارات إلى برامج عملية:
- إصلاح منظومة التعليم وإعادة تأهيل العقل العربي
- التكامل الاقتصادي كبديل عن التبعية
- مشروع دفاع عربي مشترك
- إدارة التنوع وتحويله إلى قوة جامعة
- إصلاح سياسي يقوم على المشاركة والعدالة
- ثقافة النهوض: من الاستهلاك إلى الإنتاج
- استقلالية القرار: شرط أساسي
إن النهوض يبدأ من العقل، وأول بوابة لتأهيله هي التعليم. والتعليم العربي اليوم يعاني من أزمات متراكمة، أبرزها: ضعف المناهج، وانفصالها عن سوق العمل، وتردي جودة المخرجات، وضعف البحث العلمي.
أما سبل التغيير، فهي:
- تحويل التعليم من "حفظ وتلقين" إلى "تفكير نقدي وإبداع".
- ربط المناهج باحتياجات التنمية، والتركيز على العلوم التطبيقية والتكنولوجيا والهندسة.
- إطلاق مشروع عربي طموح للبحث العلمي، بتمويل مشترك، يستهدف مجالات الأمن الغذائي والصناعات الدفاعية والطاقة المتجددة.
- محو الأمية الرقمية وجعلها حقاً أساسياً لكل مواطن عربي.
لا يمكن لأي دولة عربية بمفردها أن تنافس في عالم اليوم؛ فالاقتصادات العربية مجزأة وضعيفة، وتتنافس مع بعضها أحياناً بدلاً من أن تتكامل.
أما سبل التغيير، فهي:
- تفعيل منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى بشكل حقيقي، وإزالة العوائق الجمركية وغير الجمركية.
- إنشاء مشاريع عربية مشتركة في الطاقة، والنقل، والصناعات الثقيلة، والزراعة.
- تبني عملة عربية موحدة للتسويات التجارية، وتحرير الاقتصاد العربي من هيمنة العملات الأجنبية.
- ربط البنى التحتية عربياً (سكك حديد، طرق، شبكات كهرباء وغاز) لخلق سوق عربية متكاملة.
الأمة العربية لن تنعم بالنهوض ما دامت أمنياً تحت الوصاية أو عُرضة للتدخلات الخارجية.
أما سبل التغيير، فهي:
- الانتقال من ثقافة "شراء السلاح" إلى ثقافة "تصنيع السلاح" عبر إنشاء قاعدة صناعات عسكرية عربية مشتركة.
- توحيد جهود الاستخبارات والدفاع السيبراني لمواجهة التهديدات المشتركة.
- إنشاء قوات عربية مشتركة قابلة للانتشار السريع، وليس مجرد دروع وهمية.
- وضع سياسة عربية دفاعية مستقلة، لا تتأرجح بين التحالفات الخارجية المتضاربة.
إن التنوع المذهبي والطائفي والقومي في العالم العربي ليس عيباً، بل هو ثروة حضارية، لكنه يحتاج إلى إدارة عاقلة.
أما سبل التغيير، فهي:
- ترسيخ مبدأ المواطنة الكاملة كأساس للانتماء، لا الهوية الفرعية.
- تجريم الخطاب الطائفي والتحريض الديني في وسائل الإعلام والمنابر.
- إحياء مشروع "التقريب بين المذاهب" الذي كان يمثل رصيداً تاريخياً للأمة.
- بناء مناهج تعليمية تعزز الوعي بالتنوع كقيمة إيجابية لا كتهديد.
الاستقرار السياسي هو وعاء النهوض؛ والدول العربية تعاني من فجوة بين النظم والحكومات وبين الشعوب.
أما سبل التغيير، فهي:
- تعزيز الحكم الرشيد، ومكافحة الفساد الذي يلتهم موارد الأمة.
- الانتقال التدريجي نحو أنظمة سياسية أكثر مشاركة، تحترم الحقوق والحريات.
- بناء مؤسسات قوية مستقلة (قضاء، إعلام، حقوق إنسان) تكون فوق التجاذبات.
- تفعيل دور المجالس الاقتصادية والاجتماعية القومية لتكون شريكاً في صنع القرار.
إن أكبر عائق للنهوض هو ثقافة الاستهلاك والاتكالية التي ترسخت في المجتمعات العربية.
أما سبل التغيير، فهي:
- إعادة هندسة الإعلام العربي ليكون أداة تنوير وتشجيع للإنتاج، لا أداة تفاهة أو استقطاب.
- دعم ريادة الأعمال والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، خاصة في قطاع التكنولوجيا.
- تغيير الصورة النمطية عن العمل اليدوي والفني، وتقدير المهن الإنتاجية.
- استثمار طاقات الشباب العربي الكبيرة (أكثر من ٦٠٪ من السكان تحت سن الثلاثين) من خلال برامج تدريب وتشغيل حقيقية.
لا يمكن الحديث عن نهوض قومي عربي في ظل حالة الانقسام السياسي وتعدد الولاءات الخارجية.
أما سبل التغيير، فهي:
- إعادة تفعيل جامعة الدول العربية وتطويرها من إدارة التنسيق إلى إطار عمل مشترك ملزم.
- وضع استراتيجية عربية للعلاقات الدولية تحفظ المصالح القومية.
- حل النزاعات العربية – العربية (كالتي في ليبيا والسودان واليمن) لأنها تفتح الباب للتدخل الأجنبي.
- تبني مبدأ "المصالح العربية أولاً" في أي تحالف إقليمي أو دولي.
خاتمة: النهوض مشروع أمة، لا وصايا
إن النهوض القومي العربي ليس شعاراً عاطفياً، بل هو مشروع وجودي. الأمة العربية اليوم تملك من الموارد البشرية والطبيعية ما يؤهلها لأن تكون لاعباً رئيسياً في العالم، لكنها تحتاج إلى إرادة سياسية وجماعية تضع المصالح القومية فوق كل اعتبار.
وإن الطريق طويل ومليء بالتحديات، لكنه ليس مستحيلاً. فالتاريخ العربي حافل بأمثلة النهوض بعد الانكسار. والمطلوب اليوم هو قرار واعٍ بتغيير المسار، والبدء بخطوات عملية وإن كانت صغيرة، لأن "ما لا يُدرَك كله لا يُترك جُلّه" ، والأمة التي كانت خير أمة حين التزمت بشروط الخيرية، قادرة بإذن الله على استعادة مكانتها حين تعود إلى جوهر دينها: العمل، والعدل، والعلم، والوحدة.
“وإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".