وليد عبد الحي يكتب: اوهام التطبيع العربي الاسرائيلي

 

وليد عبد الحي

غذت أدبيات التطبيع العربية مع اسرائيل اوهاما منذ اللحظة الأولى لزيارة انور السادات الى القدس المحتلة بان الخير والسلام والتقدم سيعم المنطقة الشرق اوسطية وفي قلبها العالم العربي، وتوزعت جوائز نوبل على ابطال السلام ، وتبادل القادة القبلات والمشاركة في مهرجانات السراء والضراء.

وبعيدا عن الثرثرة والتخفي وراء مناقشات انشائية بعضها بحثا عن منصب او ضمانا للبقاء في المنصب او الحصول على مكسب مادي من هذه القناة الفضائية او الصحيفة الفلانية ،او لأن الوظيفة التي يجلس على كرسيها تقتضي ذلك، او لانه  من طوابير العسس،  دعونا نترك الارقام هي التي ترسم صورة الواقع.

لقد عدت الى نماذج القياس الكمي للظواهر السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية، وهي منتشرة في اغلب الدول التي تساير العصر، وتوجد هذه النماذج في هيئات الامم المتحدة او فروعها او مراكز ابحاث متخصصة او دراسات متخصصين في هذا المجال ، ونظرا لتعددها الكبير ،أؤكد ان نسبة الفروق بين هذه الجهات لا تشكل اية دلالة احصائية ذات قيمة، وهو ما يجعل الاستناد اليها يزداد مصداقية.

لقد قمت بتتبع خمسة  مؤشرات مركزية ترسم صورة الواقع العربي ،وقارنت بين هذه المؤشرات قبل التطبيع وبعده، وكنت حريصا على اخذ الارقام بكسورها لكي اضمن الاقتراب من الدقة الى ابعد حد، فكانت النتائج كالتالي:

1- فترة القياس : من 1948(اعلان قيام  دولة اسرائيل)  الى 1979 (معاهدة السلام المصرية الاسرائيلية) اي مرحلة ما قبل التطبيع العلني ( لان التطبيع السري كان موجودا) ، ومن 1979 الى 2026(الحرب الحالية بيين ايران ومحورها وامريكا ومحورها)(وحاولت تلمس المؤشرات الفرعية لكل مؤشر من المؤشرات الاربعة المركزية في عامنا الحالي وحسابه لاستخراج النسبة عام 2026،فان نجح القياس فبها ،او بالاسقاط ).

2- المؤشرات الخمسة المعتمدة والتي ارى انها هي القاعدة لقياس الوضع في اي اقليم في العالم. هي: 

أ‌- معدل عدم الاستقرار السياسي: ارتفع معدل عدم الاستقرار في المنطقة من سالب 0.41 في المرحلة الاولى الى سالب 1.09، وقد وقع في فترة ما قبل التطبيع (ومدتها 31 سنة) 32 حربا (على اختلاف انماطها دولية او اهلية ) ، اي بمعدل 1.03  حربا في العام الواحد ، بينما وقع في فترة ما بعد التطبيع وهي 47 سنة ما مجموعه 53 حربا (اهلية او دولية)،اي بمعدل 1.13 حربا في العام، اي ان معدل الحروب ارتفع بشكل لا لبس فيه وبخسائر مادية او بشرية اعلى.

ب‌- معدل الديمقراطية:  واجهتني مشكلة في ان القياس للديمقراطية من خلال نماذج واضحة بدأ يتبلور بشكل يُطمأن له منذ بداية السبعينات من القرن الماضي (نموج روبرت داهل -Robert Dahl) ،لكني اعتقد ان المعايير الواردة في دراسة عن جامعة كامبريج تساهم في ترشيد استخدام نماذج قياس الديمقراطية ، وهي دراسة Andrea Vaccaro  وعنوانها (Comparing measures of democracy: statistical properties, convergence, and interchangeability)، وكانت نتائج القياس (مع الحرص على الاخذ بتوصيات كامبريدج لفترة ما قبل نموذج داهل) كما يلي:

1-تراجعت الديمقراطية منذ معاهدة السلام في معدلها العام في الوطن العربي من 3.45 الى 3.11.

2- عززت المنطقة العربية موقعها كآخر اقليم في معدل الديمقراطية مبتعدة عن الاقليم الاقل  منها، اي ان الديمقراطية تراجعت بمعدل 0.34 نقطة، وهي قيمة ذات دلالة خطيرة في اطار المقارنة الدولية.

3- معدل عدالة توزيع الدخل(Gini index): يشير القياس الى ان توزيع الثروة داخل المجتمعات العربية بقي يزداد سوءا، فإذا اخذنا اسوا عشرين دولة في العالم في سوء التوزيع (حجم الفروق الطبقية) فان القياس في المرحلة الاولى يشير الى دولتين عربيتين ضمن اسوأ عشرين دولة، بينما بعد التطبيع اصبح عدد الدول العربية الأسوأ في عدالة التوزيع (ست دول) من بين الدول الأسوأ العشرين ، اي تضاعف العدد ثلاث مرات، ولو حسبت عدد سكان الدول الستة فهو يشكل 72% من مجموع سكان العالم العربي.

4- الفساد: تراوح الفساد في العالم العربي بين 26 الى 44 نقطة ( كلما كان الرقم اعلى دل على فساد اكبر)، وهو ما يضع الدول العربية ضمن أسوأ الفئة المتوسطة من الدول ( الاعلى فسادا- المتوسط- القليلة الفساد)، فنحن تقف على راس الفئة المتوسطة ،اي اننا على حدود الاعلى فسادا)، لكن الاسوا ان معدل الفساد بعد التطبيع ارتفع في 15 دولة عربية من اصل 18 دولة(هي التي توفرت ارقامها)، وهذه الدول ال 15 تشكل 93% من سكان الوطن العربي) .

5- سبق لي وأن نشرت بشكل مفصل ارقام الانفاق على البحث العلمي ومقارنته بالانفاق العسكري العربي ، وتبين من المقارنة ان الانفاق العسكري في الدول العربية يتفوق في معدله العام على الانفاق على البحث العلمي بمعدل 13 ضعفا(ثلاثة عشر ضعفا)، وهو ما يضعنا في ذيل قائمة الانفاق العلمي كاقليم جيوسياسي ،وفي صدارة الانفاق العسكري(قياسا لاجمالي الناتج المحلي لكل دولة)، فالعرب يشكلون 7 دول ضمن اعلى عشرة دول في العالم في معدل الانفاق العسكري.

فإذا كان عدم الاستقرار يزداد+ والديمقرطية تقل+وسوء توزيع الدخل يتسع+والفساد يستشري ، والبحث العلمي يتسول امام الانفاق العسكري ، فهل يمكن ان تدلوني على "فضائل التطبيع التي وعدتمونا بها"...ربما له فضائل..فاعذروي جهلي. ربما.