القس الأب سامر عازر يكتب: الأم وطن… والوطن أم وكرامة
القس الأب سامر عازر
يأتي الحادي والعشرون من آذار محمّلًا بدلالاتٍ عميقة، إذ يتزامن فيه عيد الأم مع بداية فصل الربيع، حيث تتفتح الأزهار وتنبض الحياة من جديد، ومع ذكرى معركة الكرامة الخالدة، التي سطّر فيها الجيش الأردني أروع صور البطولة والفداء. وكأن هذا اليوم يجمع بين معاني العطاء والحياة والكرامة في لوحة واحدة، عنوانها: الأم وطن… والوطن أم.
فلا شيء في الوجود يعادل الأم في محبتها الصادقة، ولا في عطائها الذي لا ينضب، ولا في تضحيتها التي لا تعرف حدودًا. هي الحضن الأول، وهي المدرسة الأولى، وهي النور الذي يرافق الإنسان في دروب حياته. ولعل أبلغ ما قيل فيها قول الشاعر حافظ إبراهيم: "الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبًا طيب الأعراق" . فالأم لا تربي أبناءها فحسب، بل تبني أجيالًا، وتصنع مستقبل أمة.
ومن أجمل ما توصف به الأم أنها وطن. ففي هذا الوصف عمقٌ إنساني وروحي كبير، لأن الأم، كالوطن، ملجأ أمان، ومصدر قوة، وموطن طمأنينة. هي التي تحتضن أبناءها رغم تعبها، وتعطيهم رغم حاجتها، وتبذل ذاتها دون مقابل. وكما قال جبران خليل جبران: "قلب الأم هوة عميقة ستجد المغفرة دائمًا في قاعها" . فالأم تشبه الوطن في اتساع قلبها، وفي قدرتها على الاحتواء والغفران.
ومن جانب آخر، فإن الوطن أم. فمن لا وطن له، كمن فقد أمه، يعيش غريبًا، فاقدًا للهوية والانتماء. الوطن هو الحضن الذي يجمع أبناءه، وهو العنوان الذي يمنحهم الكرامة والعزة. فيه نحيا، ومن خيراته نأكل، وتحت سمائه نحلم ونبني. الوطن ليس مجرد أرض، بل هو ذاكرة وتاريخ وكرامة، وهو كما قيل: "الوطن هو المكان الذي نحبه، فهو المكان الذي قد تغادره أقدامنا لكن قلوبنا تظل فيه".
ويكتسب هذا المعنى عمقًا أكبر حين نتأمل رمزية تزامن عيد الأم مع ذكرى معركة الكرامة. تلك المعركة التي لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت إعلانًا لكرامة وطن، وتجسيدًا لروح شعب أبيّ، التف حول قيادته الهاشمية، وقدم أغلى ما يملك دفاعًا عن تراب الوطن وصونًا لسيادته. لقد كانت الكرامة فعل حب للوطن، تمامًا كما أن عطاء الأم فعل حب لا ينضب.
وفي هذا اليوم، تتلاقى صورتان: أمٌّ تربي وتضحي، ووطنٌ يحتضن ويحمي. كلاهما يمنح بلا حدود، وكلاهما يستحق الوفاء والانتماء. فكما لا يمكن للإنسان أن ينسى أمه، لا يجوز له أن يتخلى عن وطنه، لأن كليهما أصل الوجود، وجذر الهوية، ومصدر الحياة.
إن الأم تعلمنا معنى الحب غير المشروط، والوطن يعلّمنا معنى الانتماء الصادق. وإذا اجتمع الحب والانتماء، وُلد الإنسان الحقيقي، القادر على العطاء والبناء. فطوبى لمن عرف قيمة أمه، وطوبى لمن حفظ أمانة وطنه.
في الحادي والعشرين من آذار، لا نحتفل فقط بعيد، بل نحتفل بمعنى. نحتفل بالأم التي هي وطن، وبالوطن الذي هو أم، ونجدّد العهد أن نبقى أوفياء لهما، نحملهما في قلوبنا، ونصونهما بأفعالنا، ليبقى الحب حيًا، وتبقى الكرامة خفاقة، كما أرادها الآباء والأجداد.