خيرالله يكتب: شيعة الحزب… قراءة خاطئة لنتائج حربَيْن!
خيرالله خيرالله
لن يتوقّف العدوان الإسرائيليّ على لبنان، وهو عدوان تسبّبت به إيران، في حال استمرار الموقف اللبنانيّ على حاله، أي دوران لبنان على نفسه. ثمّة حاجة إلى الاعتراف بالواقعين الإقليميّ والدوليّ الجديدين بعدما دخل لبنان، عن سابق تصوّر وتصميم ومن خارج إرادته، حرباً كبيرة وواسعة ذات نتائج معروفة سلفاً.
عمليّاً، دخل البلد، في ضوء رغبة “الحرس الثوريّ الإيرانيّ”، مرحلة ستسمح بتوسيع الاحتلال الإسرائيليّ للجنوب اللبنانيّ وزيادة ضخمة في عدد النازحين من قراهم. يحدث ذلك في وقت تبدو الحاجة أكثر من أيّ وقت إلى التخلّي عن اللغة الخشبيّة المعتمدة، بما في ذلك التمسّك بما يسمّى التفاوض مع إسرائيل عبر صيغة “الميكانيزم”، وهي صيغة تجاوزتها الأحداث. لبنان في غنى عن الوقوع في أسر “الميكانيزم” في وقت يلزم البحث في قضايا سياسيّة وفي عمق الأحداث بدل التمسّك بالقشور والرغبة في كسب الوقت.
لن تأخذ اللغة الخشبيّة، التي يُخشى ذهاب شيعة لبنان ضحيّتها، إلى أيّ مكان خارج دوران البلد على الذات، مع ما يعنيه ذلك من تدهور داخليّ على كلّ صعيد. ليس سرّاً أنّ إسرائيل غير متحمّسة لـ”الميكانيزم”. إسرائيل مصرّة، في المقابل، على إقامة منطقة عازلة في جنوب لبنان في عمق يخشى وصوله إلى 15 كيلومتراً. لا يدلّ على مدى جدّية إسرائيل بشأن لبنان ووضعه، أكثر من تسليم ملفّه إلى رون ديرمر الذي يعتبر الشخصيّة الأهمّ في الدولة العبريّة وعقل بنيامين نتنياهو!
الحربان مرتبطتان ومنفصلتان
يظلّ أخطر ما في الأمر أنّ حرب لبنان مرتبطة بالحرب التي تتعرّض لها إيران، لكنّها منفصلة عنها في الوقت ذاته. حرب لبنان مرتبطة بالحرب الإيرانيّة من زاوية استخدام “الحرس الثوريّ” الأراضي اللبنانيّة لإطلاق صواريخ في اتّجاه إسرائيل… في سياق تنسيق بين “الحرس الثوريّ” وفرعه اللبنانيّ.
لكنّها منفصلة عنها نظراً إلى أنّ لدى إسرائيل حسابات خاصّة تريد تصفيتها مع لبنان الواقع مباشرة على حدودها. يمكن أن تتوقّف الحرب بين إيران وبين أميركا وإسرائيل غداً أو بعد شهر أو أكثر. لكنّ حرب لبنان لن تتوقّف، بالضرورة، مع وقف حرب إيران.
سيكون لبنان مضطرّاً، بشكل منفصل، إلى دفع ثمن حربين شُنّتا من جنوبه من دون إرادته. إنّهما “حرب إسناد غزّة” و”حرب إسناد إيران”.
من الواضح وجود قراءة شيعيّة مخطئة للنتائج المترتّبة على الحربين. والمعنيّ بالشيعة، ليس كلّ أبناء الطائفة التي تتعرّض حالياً لحملة إبادة وتهجير لا سابق لها. المعنيّ بالطائفة، هنا، “الحزب” الذي يرفض أخذ العلم بما شهدته المنطقة من تطوّرات منذ حرب غزّة. هل يحتاج “الثنائيّ” إلى زيادة أخرى في عدد النازحين، الذي تجاوز مليوناً، وتدمير مزيد من القرى كي يقتنع بأن لا مفرّ من التعاطي مع إسرائيل بطريقة مختلفة، أقلّه من أجل وقف إطلاق النار ومباشرة البحث في شروط الانسحاب الإسرائيليّ؟
لبنان في عزلة عربيّة
ينسى “الحزب” أن لا مجال لتكرار تجارب الماضي وأساليبه من نوع تهديد اللبنانيّين بحرب أهليّة أو شقّ مؤسّسة الجيش اللبنانيّ. لم تعد سوريا الأسد موجودة. لا حرب أهليّة من دون إمدادات بالسلاح للأطراف المشاركة في الحرب من دون سوريا. لبنان في عزلة عربيّة دوليّة. لن يفكّ العزلة نداء صدر عن دول عدّة، هي فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا وكندا، يحذّر من اجتياح برّيّ إسرائيليّ للبنان.
لن يفكّ العزلة سوى الاعتراف بأنّ عالم 2026 غير عالم 1983 و1984 عندما أسقطت قوى داخليّة لبنانيّة تعمل لدى النظام السوريّ “اتّفاق 17 أيّار” الذي توصّل إليه لبنان مع إسرائيل. كان هناك إصرار لدى الاتّحاد السوفيتيّ، بقيادة يوري أندروبوف، على إسقاط “اتّفاق 17 أيّار”. كانت الحرب الباردة في أوجها وقتذاك.
كلّ هذا بات من الماضي في ضوء القرار الأميركيّ – الإسرائيليّ القاضي بالانتهاء من النظام القائم في إيران في سنة 2026. ليس هناك ما يدعو الطائفة الشيعيّة في لبنان إلى تقديم نفسها قرباناً على المذبح الذي أعدّ للنظام الإيرانيّ الذي خدم أغراض إسرائيل طويلاً قبل أن تنتهي صلاحيّته مع التطوّرات التي تلت حرب غزّة وما استتبعها من تطوّرات على الصعيد الإقليميّ.
لا أفق سياسيّاً للموقف الذي اتّخذه “الحزب” في لبنان. ذهب أحد قياديّيه إلى تخوين الحكومة اللبنانيّة والمقارنة بينها وبين “حكومة فيشي” التي تعاونت مع النازيّين في فرنسا مطلع أربعينيّات القرن الماضي. ليس ما يدعو “الشيعة” إلى الانتحار مع “الحزب” ومع إيران، خصوصاً مع نشر إسرائيل أسماء القرى التي سيجري تدميرها في جنوب لبنان قريباً، وهي: كفركلا والعديسة ومركبا وحولا وميس الجبل وبليدا ويارون وعيترون ومارون الراس وراميا والضهيرة وعلما الشعب والناقورة.
كيف تفادي الحرب؟
يستطيع لبنان تفادي المزيد من الدمار. الحاجة أوّلاً وأخيراً إلى شجاعة سياسيّة من جهة واستيعاب ما يدور في المنطقة والعالم بغضّ النظر عمّا إذا كان النظام الإيرانيّ سيبقى أو سيرحل، من جهة أخرى. لبنان ليس مضطرّاً إلى دفع فاتورة اغتيال “المرشد” علي خامنئي ولا هزيمة إيران الحتميّة أمام الولايات المتّحدة وإسرائيل.
لبنان في حاجة إلى حماية نفسه واستيعاب أن ليس ما يدلّ على الهزيمة الإيرانيّة أكثر من الهجمات التي تشنّها “الجمهوريّة الإسلاميّة” على الدول القريبة منها، وفي مقدَّمها دولة الإمارات والمملكة العربيّة السعوديّة والكويت والبحرين وقطر وسلطنة عُمان التي سعت بكلّ ما تستطيع من أجل تفادي الحرب على إيران.
أمّا بالنسبة إلى “الثنائيّ الشيعيّ” نفسه، فإنّ واجبه يتمثّل في تغطية مبادرة رئيس الجمهوريّة جوزف عون الذي دعا إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل ودعمها. كلّ ما عدا ذلك خدمة للأهداف الإسرائيليّة ولاستمرار الاحتلال وتوسيعه. أليس الوقت وقت اتّخاذ قرار شجاع لـ”الثنائيّ” يؤكّد أن لا ملاذ آخر لشيعة لبنان غير لبنان والقرار الوطنيّ اللبنانيّ بعيداً عن اللغة الخشبيّة والحسابات الضيّقة؟
المعنيّ بالحسابات الضيّقة تلك القائمة على فكرة أنّ المهمّ الانتصار على لبنان تعويضاً عن استحالة القدرة على الانتصار على إسرائيل.