عوض يكتب : "مسارات تنمية في ظل تراجع المنح والمساعدات"
احمد عوض
لم يعد تراجع المساعدات والمنح الخارجية احتمالاً بعيداً يمكن تأجيل الاستعداد له. فقد أظهرت البيانات الأولية لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية انخفاض المساعدات الإنمائية الرسمية المقدمة من أعضاء لجنة المساعدات الإنمائية وشركائها بنسبة 23.1 بالمائة بالقيمة الحقيقية خلال عام 2025. وهي إشارة تستدعي من الأردن مراجعة افتراضاته بشأن الموارد التي يمكن التعويل عليها لتمويل التنمية والخدمات العامة في السنوات المقبلة.
وفي كلمته أمام الجلسة العامة للاجتماعات السنوية للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي في بانكوك، منتصف الشهر الحالي، وصف رئيس مجموعة البنك الدولي، أجاي بانغا، البيئة التنموية بأنها تتسم بضيق الموارد والحيز المالي وارتفاع أعباء الديون. وتتقاطع هذه الرسالة مع تراجع المساعدات والمنح لتؤكد ضرورة التحضير لمرحلة يصبح فيها تمويل التنمية أكثر صعوبة وتنافسية.
بالنسبة إلى الأردن، ينبغي أن يقود هذا التحول إلى إعادة ترتيب السياسات الاقتصادية باتجاه توسيع القدرة على الإنتاج وتوليد الدخل محلياً. فالموقع السياسي والشراكات الدولية مهمان، لكنهما لا يكفيان لضمان استمرار التمويل بالحجم والشروط نفسيهما. والاستعداد المبكر يتيح انتقالاً تدريجياً، بينما قد يؤدي الانتظار إلى قرارات اضطرارية تزيد المديونية أو تحمل الأسر أعباء إضافية.
تبدأ الأولوية من معالجة الكلف التي تعوق توسع المنشآت المنتجة، خصوصاً الطاقة والمياه والنقل والتمويل. فالمشروع الذي يخفض فاتورة الطاقة لمصنع، أو يقلل فاقد المياه، أو ييسر وصول المنتجات إلى الأسواق، يمكن أن يرفع الإنتاجية ويحسن القدرة التنافسية. ويتسع أثره عندما يرتبط بموردين محليين ومنشآت صغيرة، فتتوزع عوائده على قطاعات ومحافظات متعددة.
وفي هذا السياق، يستحق استثمار الموارد الطبيعية الأردنية أولوية واضحة، ضمن دراسات جدوى مستقلة وضوابط بيئية وعقود معلنة تحفظ حصة عادلة للمجتمع. وتزداد القيمة التنموية لهذه الموارد عندما تدعم صناعات محلية وخدمات مساندة وتنقل المعرفة. وينطبق المنطق نفسه على الزراعة والصناعات الدوائية والغذائية والخدمات الرقمية والسياحة، من خلال تدخلات تعالج العوائق الفعلية أمام توسعها وتشغيل الأردنيين.
وقد يقال إن بناء هذه القدرات يحتاج إلى تمويل خارجي أصلاً، وهذا صحيح. لذلك، تظل الشراكات والمنح والتمويل الميسر أدوات ضرورية، على أن تخدم أولويات وطنية محددة ومشروعات ناضجة. ويجب تقييم القروض والضمانات والشراكات الاستثمارية وفق كلفتها والتزاماتها المستقبلية؛ إذ قد تتحول بعض الصيغ الجذابة ظاهرياً إلى أعباء مؤجلة على الخزينة والمواطنين.
ويقتضي ذلك تطوير سيناريوهات متعددة السنوات لتراجع المنح، تبين البرامج الأكثر تعرضاً ومصادر تمويلها البديلة. وينبغي أن تميز هذه السيناريوهات بين التعهدات والمبالغ المصروفة، وأن تحمي التعليم والصحة والحماية الاجتماعية. فإضعاف هذه الخدمات يرفع كلفة المعيشة ويقوض القدرات البشرية التي تحتاجها التنمية نفسها.
وبالتوازي، يمكن تقوية الموارد العامة عبر مكافحة التهرب الضريبي، ومراجعة الإعفاءات التي لا تحقق عائداً تنموياً، وتحسين عدالة التحصيل وكفاءة الإنفاق. ويساعد نشر نتائج هذه المراجعات على بناء الثقة، ويجعل تعبئة الموارد المحلية أكثر قبولاً حين يرى المواطن أن الأعباء والعوائد توزع بعدالة.
المعيار الحاسم لهذا المسار هو نمو الإنتاج والصادرات، وخلق وظائف مستقرة بأجور مناسبة، وتغطية بالضمان الاجتماعي. وكل تمويل خارجي يساعد على تحقيق ذلك ينبغي أن يقرب الأردن من قدرة أكبر على تمويل احتياجاته بموارده.







