اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

المصاروه يكتب: الشر سياج أهله، الأردن حصن أبنائه

{title}
أخبار الأردن -

هاشم احمد المصاروه

حين يعتدي الإرهاب على مكان عبادة، ينتفض الوطن بأكمله دفاعاً عن الحياة والوحدة والكرامة

ليس كل ما يُرتكب من شرٍّ قادراً على كسر الخير، وليس كل رصاصة غدرٍ قادرة على إسكات صوت المحبة؛ فهناك أوطانٌ تتماسك حين تُختبر، وشعوبٌ تزداد قوةً حين يحاول الظلام أن يطفئ نورها. 
والأردن، الذي قامت هويته على الأخوّة والتسامح والعيش المشترك، أثبت مرّةً أخرى أن الإرهاب، مهما اشتدّ، لن يجد في هذا الوطن أرضًا خصبةً للفرقة، بل سيجد شعبًا يلتفّ حول بعضه بعضًا، وقيادةً تقف في وجه الخطر، وقلوبًا لا تعرف التخلّي عن بعضها في الشدائد.

«الشر سياج أهله»؛ مقولة تختصر حقيقةً لا تتغيّر، وهي أن الشرّ يرتدّ على أصحابه، وأن من يظنّ أن القتل والترويع قادران على صناعة الانقسام، لا يعرف طبيعة الشعب الأردني ولا يدرك معنى أن يكون الإنسان أردنياً. فالشرّ، مهما أحاط بأصحابه، يبقى حبيس ظلامه، أمّا الخير فيمتدّ بين الناس، ويصنع من الألم تضامنًا، ومن المصاب موقفًا، ومن المحنة عهدًا جديدًا على البقاء معًا.

الكرك.. جرحٌ في قلب الوطن

لقد جاء الاعتداء الإرهابي الذي استهدف كنيسةً في قرية حمود بمحافظة الكرك ليشكّل جرحًا عميقًا في وجدان الأردنيين جميعًا. فالكنيسة ليست مجرّد جدرانٍ وأجراس، بل هي مكانٌ للعبادة والسكينة، وحرمتها من حرمة الإنسان وحقّه في الحياة والأمان. وحين تمتدّ يد الغدر إلى المصلّين والمشيّعين، فإن الجريمة لا تستهدف أبناء طائفةٍ بعينها فحسب، بل تستهدف قيم الإنسانية، وحقّ الناس في ممارسة شعائرهم الدينية بأمان، والنسيج الوطني الذي يجمع الأردنيين على اختلاف معتقداتهم.

إن استنكار هذا الاعتداء ليس موقفًا عابرًا، ولا كلماتٍ تُقال في لحظة الغضب، بل هو موقفٌ أخلاقيٌّ ووطنيٌّ واضح: لا دين يبرّر قتل الأبرياء، ولا عقيدة تمنح أحدًا حقّ الاعتداء على الآخرين، ولا قضية تبيح تحويل دور العبادة إلى ساحاتٍ للخوف والموت. فالإرهاب الذي يرفع شعاراتٍ زائفة لا يمثّل دينًا ولا أخلاقًا، وإنّما يكشف عن فكرٍ متطرّفٍ لا يرى في الإنسان إلّا هدفًا، ولا في الاختلاف إلّا ذريعةً للكراهية.

وفي الكرك، التي تحمل في تاريخها معاني البطولة والكرامة، لم يكن الألم حكرًا على عائلةٍ أو جماعة، بل امتدّ إلى كل بيتٍ أردنيّ. فدمعة الأم المسيحية هي دمعة الأم الأردنية، ووجع الأب الذي فقد عزيزًا هو وجع كل أب، والخوف الذي طرق أبواب أبناء الكرك هو خوف وطنٍ بأكمله على أبنائه.

وهنا تتجلّى الحقيقة الأردنية الأصيلة: نحن لا نتقاسم الأرض وحدها، بل نتقاسم الوجع والمصير والرجاء، ولا نفرّق بين دمٍ ودم، ولا بين مسجدٍ وكنيسة، حين تكون حرمة الإنسان هي القضية.

وحدة الأردنيين.. أقوى من الفتنة

من هذا المعنى، جاءت وحدة الأردنيين لتؤكّد أن محاولات بثّ الفتنة لن تجد طريقها إلى مجتمعٍ تشكّلت روابطه عبر عقودٍ من الأخوّة والتعاون والتاريخ المشترك. فالمسلم والمسيحي في الأردن ليسا غريبين يسكنان أرضًا واحدة، بل شريكان في بنائها وحماية استقرارها، وفي كتابة قصصها الوطنية، وفي حمل مسؤولية مستقبلها.

وما يجمعهما أكبر من كل خطاب كراهية، وأرسخ من كل محاولةٍ لزرع الشكّ بين أبناء الوطن الواحد.

لقد أثبت الأردنيون، عبر تاريخهم، أنّ وحدتهم ليست مجرّد شعارٍ يُرفع في المناسبات، بل حقيقةٌ تتجلّى في المواقف الصعبة، حين يقف الجميع صفًّا واحدًا في وجه الخطر، ويتقدّم الانتماء الوطني على كل اختلاف. فالأردن وطنٌ يتّسع لجميع أبنائه، وتبقى كرامة الإنسان فيه أساسًا للعيش المشترك، وركيزةً لا يمكن التفريط بها.

جلالة الملك.. قيادةٌ حاضرةٌ في قلب الحدث

لقد كان الموقف الحازم لجلالة الملك عبدالله الثاني واضحًا في إدانة الاعتداء، والتأكيد على أن أمن الأردنيين وسلامتهم خطٌّ أحمر، وأن العدالة يجب أن تأخذ مجراها بحقّ كل من ارتكب هذه الجريمة أو أسهم فيها، وفقًا للقانون.

كما أكّد جلالته أن مثل هذه الأعمال لن ترهب الأردن ولن تنال من وحدته الوطنية، في رسالةٍ واضحةٍ بأن الدولة ماضيةٌ في مواجهة الإرهاب، وحماية المواطنين، وصون أمن الوطن واستقراره.

ولم يكن الموقف الملكي مجرّد كلماتٍ تُقال من بعيد؛ فقد حملت زيارة جلالته إلى المصابين في المستشفى العسكري بالكرك، مرتديًا اللباس العسكري الميداني، رسالةً تجمع بين المسؤولية الإنسانية والحزم في مواجهة الإرهاب.

ففي تلك اللحظة، لم يكن المشهد مشهد قائدٍ يتابع حادثةً أمنيةً فحسب، بل مشهد قائدٍ يتفقّد أبناء شعبه في محنتهم، ويطمئن إلى أحوال الجرحى، ويؤكّد بحضوره أن آلامهم ليست بعيدةً عن قلب الوطن وقيادته.

لقد حمل الزي العسكري دلالة الاستعداد والمسؤولية، فيما حملت زيارة المصابين معنى القرب والتضامن؛ فالقوة الحقيقية لا تنفصل عن الرحمة، والحزم لا يتعارض مع الإنسانية.

ومن هنا، بدا المشهد تعبيرًا عن رسالةٍ أردنيةٍ واضحة: حماية الوطن واجبٌ، وصون حياة أبنائه أولويةٌ، ومواجهة الإرهاب مسؤوليةٌ لا تقبل التهاون.

سمو ولي العهد.. امتدادٌ للمسؤولية الوطنية

وفي هذا السياق، برز حضور سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني إلى جانب جلالة الملك في متابعة تداعيات الاعتداء، بما يعكس أهمية استمرار العمل المؤسسي لحماية أمن المواطنين والحفاظ على تماسك المجتمع.

فالأردنيون في مثل هذه الظروف لا يحتاجون إلى خطاباتٍ تزيد خوفهم، بل إلى مواقفَ مسؤولةٍ تعزّز ثقتهم، وإجراءاتٍ واضحةٍ تحميهم، ورسائلَ تؤكّد أن الدولة تقف إلى جانبهم، وأن العدالة ستأخذ مجراها.

إن المسؤولية الوطنية في أوقات الشدّة تتطلّب تكاتف الجهود، وتنسيق العمل بين مختلف مؤسسات الدولة، والوقوف إلى جانب المصابين وأسر الضحايا، بما يعزّز الشعور بالأمان ويؤكّد أن حماية الإنسان تظلّ في مقدّمة الأولويات.

التحرك الطبي والعسكري.. إنسانيةٌ تتجاوز حدود الواجب

وعلى الأرض، كان للتحرّك الطبي والعسكري السريع أثره الإنساني في التعامل مع المصابين. فقد تحرّكت الجهات المختصّة لتقديم الرعاية اللازمة، وتولّت الخدمات الطبية الملكية استقبال المصابين في مستشفى الأمير علي بن الحسين العسكري، فيما جرى نقل عددٍ منهم إلى مدينة الحسين الطبية بواسطة طائرةٍ تابعةٍ لسلاح الجو الملكي، بهدف توفير العلاج والإمكانات الطبية المناسبة لحالاتهم.

إن هذه الاستجابة ليست تفصيلًا عابرًا في أحداث الجريمة، بل صورةٌ من صور الواجب الوطني حين يتحوّل الوقت إلى عاملٍ حاسمٍ في إنقاذ الأرواح وتخفيف المعاناة.

فخلف كل مصابٍ عائلةٌ تنتظر، وخلف كل سرير مستشفى قلبٌ يرجو الشفاء، وخلف كل عملية نقلٍ طبيٍّ جهودٌ يبذلها أفراد القوات المسلحة والكوادر الطبية وهم يؤدّون رسالتهم الإنسانية.

وفي مثل هذه اللحظات، تتجلّى قيمة مؤسسات الوطن حين تتكامل جهودها لحماية الإنسان، وتصبح سرعة الاستجابة فعلًا من أفعال التضامن الوطني، ودليلًا على أن إنقاذ الأرواح مسؤوليةٌ تتقدّم على كل اعتبار.

مواجهة الإرهاب.. بالعدالة والوعي والوحدة

ومع ذلك، فإن مواجهة الإرهاب لا تكتمل بالغضب وحده، ولا تتحقّق بالشعارات وحدها، بل تحتاج إلى عدالةٍ راسخة، وتحقيقٍ مهنيٍّ، ومحاسبةٍ قانونيةٍ للمسؤولين عن الجريمة، إلى جانب مواصلة العمل على مكافحة الفكر المتطرّف وتجفيف منابعه.

كما تحتاج إلى وعي المواطنين، والامتناع عن تداول الشائعات، وعدم الانجرار وراء أي خطابٍ يسعى إلى تحويل المصاب إلى فتنة، أو تحويل الحزن إلى كراهيةٍ بين أبناء المجتمع الواحد.

فالإرهاب لا يكتفي بإزهاق الأرواح، بل يحاول أن يزرع الخوف في النفوس، وأن يجعل الإنسان يشكّ في أخيه، وأن يحوّل الاختلاف الطبيعي بين الناس إلى جدارٍ يفصل بينهم.

ولذلك، فإن إفشال أهدافه يبدأ من رفض الكراهية، والتمسّك بالحقيقة، والتضامن مع الضحايا، والثقة بمؤسسات الدولة، والإصرار على أن تبقى الكنيسة والمسجد وسائر دور العبادة أماكنَ للسلام والطمأنينة، لا أهدافًا للعنف والاعتداء.

فليس في الانتقام من الأبرياء قوةٌ، وليس في التحريض بطولةٌ، وليس في تمزيق المجتمع انتصارٌ؛ إنّما الانتصار الحقيقي هو أن نتمسّك بالعدالة، ونحمي الإنسان، ونبقى أوفياء للقيم التي جمعتنا.

الأردن.. وطنٌ لا تهزمه يد الغدر

يا أبناء الأردن، إن المصاب الذي أصاب الكرك أصاب الوطن كلّه، والواجب اليوم أن نكون على قدر هذه اللحظة؛ نرفض الجريمة بوضوح، ونقف إلى جانب أسر الضحايا والمصابين، ونحفظ كرامة الإنسان، ونصون وحدتنا من كل محاولةٍ لاستغلال الألم وإشعال الفتنة.

ستبقى الكرك جزءًا عزيزًا من قلب الأردن، وستبقى كنائسها ومساجدها شواهدَ على تاريخٍ من التعايش، وسيبقى الأردنيون، مسلمين ومسيحيين، أبناء وطنٍ واحدٍ لا تفرّقهم رصاصةٌ، ولا تهزمهم جريمةٌ، ولا تنال من وحدتهم يد الغدر.

فالشرّ سياج أهله، والإرهاب لا يصنع إلّا عزلته، أمّا الأردن فيصنع من وحدته سياجًا يحمي أبناءه، ومن تضامنه قوةً تواجه الظلام، ومن إيمانه بالإنسان طريقًا نحو المستقبل.

رحم الله الضحايا، وألهم ذويهم الصبر والسلوان، ومنّ على المصابين بالشفاء العاجل، وحفظ الأردن آمنًا مطمئنًا، وأدام على أبنائه نعمة الأخوّة والوحدة، وجعل راية الحقّ والعدالة أعلى من كل رايةٍ تحمل الكراهية والشرّ.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية