خير الله يكتب: رهان “الحزب” على اليمن…
خير الله خير الله
استعاد “الحزب” في لبنان حيويّته… أقلّه ظاهراً. يبدو أنّه استعادها من اليمن الذي تنطلق منه اعتداءات على أهداف مدنيّة وأخرى تشكّل أماكن مقدّسة لدى كلّ مسلم في المملكة العربيّة السعوديّة.
يهرّب “الحزب” موادّ متفجّرة من بعلبك إلى بيروت، وهي موادّ تستخدم في تنفيذ اغتيالات بغية تذكير اللبنانيّين بقدرته على ترهيبهم وفرض حال من الذعر عليهم. يريد تذكيرهم بأنّه وراء اغتيال رفيق الحريري ورفاقه غير مدرك أنّ العام 2005 غير العام 2026 الذي صارت فيه إسرائيل تحتلّ مجدّداً أرضاً لبنانيّة في الجنوب وتدمّر مدناً صغيرة، مثل بنت جبيل، وقرى بكاملها. يرفض “الحزب” أخذ العلم بأنّه وراء تهجير مئات الآلاف من أهل هذه المدن والقرى الجنوبيّة في حرب “إسناد غزّة” وحرب “الانتقام” لمقتل عليّ خامنئيّ…
ما الذي يجعل “الحزب” الذي ليس سوى لواء في “الحرس الثوريّ” يشعر بمثل هذه الثقة المتجدّدة؟
الجواب بكلّ بساطة، أنّ ذلك يعود إلى ما يحدث في اليمن حيث استطاع الحوثيّ السيطرة على ميناء المخا وجزيرة ميون (بريم) وجزر أخرى حتى الآن بما يربط، من وجهة النظر الإيرانيّة، بين مضيق باب المندب، مدخل البحر الأحمر، من جهة، ومضيق هرمز من جهة أخرى. ترافق ذلك مع اعتداءات على المملكة العربيّة السعوديّة تعكس في واقع الحال النيّات الحقيقيّة لإيران تجاه المملكة تحديداً، ودول الخليج العربيّ عموماً.
من اليمن يستعيد “الحزب” ثقةً بالنفس، وهي ثقة مرتبطة بممارسة الإرهاب والترهيب في التعاطي مع اللبنانيّين. يؤكّد ذلك أنّ سلاح “الحزب” لم يكن في يوم من الأيّام سوى سلاح ذي استخدام داخليّ لبنانيّ لأسباب وأهداف إيرانيّة.
علاقة عضويّة
ما يجعل ما يدور في اليمن ينعكس على لبنان يكمن في العلاقة العضويّة بين “الحزب” والحوثيّين وفي كون الجهتين مجرّد أداة إيرانيّة لا أكثر. ليس سرّاً أنّه توجد علاقة عميقة قديمة بين الجانبين. توجد مثل هذه العلاقة منذ أواخر تسعينيّات القرن الماضي عندما بدأ “الحزب” يدرّب مقاتلين حوثيّين في لبنان وفي اليمن ويساعد في أدلجة هؤلاء. كان أوّل من تحدّث عن هذه العلاقة الرئيس اليمنيّ الراحل عليّ عبدالله صالح في حديث أجريته معه في العام 2004. كشف عليّ عبدالله صالح أثناء الحرب الأولى التي خاضها مع الحوثيّين أنّ هؤلاء يتلقّون مساعدة من “الحزب”. تبيّن لاحقاً أنّ قياديّين من “الحزب” انتقلوا إلى اليمن. ظهر في أحد الفيديوهات، التي نُشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ، قياديٌّ من “الحزب” يعطي درساً ليمنيّين في كيفيّة احتجاز رهائن بعد تسلّل إلى خارج الحدود اليمنيّة.
كان “الحزب” وراء إنشاء شبكة الاتّصالات الخاصّة بالحوثيّين في اليمن وكانت بيروت، إلى ما قبل وقت قصير، مركزاً أساسيّاً للإعلام الحوثيّ ومركز قناة “المسيرة” الناطقة باسم “جماعة أنصار الله” في اليمن. من هذا المنطلق، يبدو طبيعيّاً أن يعتبر “الحزب” ما حقّقه الحوثيّون، على الأرض، في اليمن ابتداء من نهاية أيلول الماضي تقدّماً يصبّ في مصلحته. في الواقع، إنّ ما حقّقه الحوثيّون الذين ما زالوا في المخا يشير إلى أنّ المشروع التوسّعيّ الإيرانيّ لم يمُت بعد.
حاجزان أمام “الحزب”
يوجد أمران لا يستطيع “الحزب” القفز فوقهما:
1- أنّ ملفّ جنوب لبنان بات، بموافقة أميركيّة، ملفّاً إسرائيليّاً. إذا كان من إنجاز تحقّق في لبنان في الأشهر القليلة الماضية، فإنّ هذا الإنجاز تحقّق بفضل الذهاب إلى المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. أعادت هذه المفاوضات لبنانيّين إلى أرضهم وقراهم، وإن بأعداد قليلة. لم يُعِد سلاح “الحزب” والموادّ المتفجّرة التي يستخدمها أيَّ نازح إلى أرضه. على العكس من ذلك، كان السلاح والمتفجّرات في كلّ يوم، ومنذ ما قبل عودة الاحتلال نتيجة “حرب إسناد غزّة”، في خدمة إسرائيل. لم يردع سلاح “الحزب” إسرائيل، بل كان في كلّ وقت وسيلة لقمع اللبنانيّين وتهديم مؤسّسات الدولة الواحدة تلو الأخرى.
2- الضوابط التي وضعها الأميركيّ للإسرائيليّ، خصوصاً في ما يتعلّق بوقف الهجمات على بيروت وعلى أهداف في الضاحية الجنوبيّة تحديداً. ما الذي كان سيفعله “الحزب” لولا الضوابط التي فرضها دونالد ترامب على بنيامين نتنياهو في ما يخصّ مناطق لبنانيّة خارج الجنوب؟
إيران ستخرج من اليمن..
يبقى الرهان على الحوثيّين في اليمن مجرّد رهان على سراب. لا شكّ أنّ “جماعة أنصار الله” حقّقت تقدّماً على الأرض، لكن لا أفق في المدى الطويل لمشروعها اليمنيّ الذي يعني بين ما يعنيه إيجاد موطئ قدم ثابت لـ”الجمهوريّة الإسلاميّة” في شبه الجزيرة العربيّة. لن تستطيع إيران، على الرغم من كلّ استثماراتها في اليمن وعلى الرغم من استفادتها إلى أبعد حدود من الخلافات اليمنيّة – اليمنيّة، الاحتفاظ باليمن.
صحيح أنّ الحوثيّين، الذين يطوّقون تعز في هذه الأيّام، جزء لا يتجزّأ من النسيج الاجتماعيّ اليمنيّ، لكنّ الصحيح أيضاً أنّ الحوثيّ لا يستطيع حكم اليمن بتعقيداته التي لا تحصى. مثلما خرج الاتّحاد السوفيتيّ من جنوب اليمن الذي تحكّم به طويلاً، حتّى العام 1990، ستخرج إيران من اليمن. هذا هو الواقع الذي لا مجال لتجاهله على الرغم من الفارق بين طبيعة الوجود السوفيتيّ في الجنوب اليمنيّ وبين الوجود الحوثي في صنعاء.
تبقى الحاجة إلى تعاطٍ عربيّ ودوليّ مختلف مع ما يدور في اليمن، تعاطٍ مختلف أكثر هجوميّة كي تُحبط القدرة على استعادة المشروع الإيرانيّ لحيويّته. من هنا، لا بدّ من رفع حدّة المواجهة المباشرة مع إيران وأدواتها، لا سيما في لبنان واليمن والعراق.







